بيار بو عاصي

أيلول المطر ويقين الخطر وثمن الحرية

2 أيلول 2021

02 : 00

أتى أيلول الشهداء متسلّلاً من لهيبِ حرٍّ وقهرٍ وتساؤلاتٍ حول المصير.

ككل سنة يبلّل أيلول طرفيه بدمع من بقي من أمهات على قيد الحياة ودماء ابنائهن الشهداء.

إنّه أيلول المطر ويقين الخطر وثمن الحرية.

رحلوا قوافل قوافل، حُصِدوا سنابل سنابل، بحقد حاقدٍ دجّال قاتل.

عرفتُهم، أحببتهم، دفنتهم، بكيتهم وما زلتُ استلهمهم.

كبُرَ الابناء فتخطّوا اعمار الآباء يوم الاستشهاد. لم يعرفوهم سوى من سيرة أمّ وروايات جدّة، من صمت جدّ جريح يحبس الدمعة، من أخبار رفاق نجوا وحملوا الوفاء، وعقدة الذنب، رفيقة الناجين مدى الحياة.

رفاقي الشهداء،

هوّة سحيقة تفصل واقعَنا عن حِلمكم، كوادي ظلال الموت الرهيب.

حلمكم حياة وفرح وهوية ووطن.

نخجل اليوم إن رأيتم حالنا من عَليائكم، ليتكم تغضّون الطرف عنا لئلا تحزنون.

أنتم المنارة والوطن مركب تائه. لا تُلامُ المنارة إن اشاح القبطان بنظره عنها في عين العاصفة فغرق المركب. أهواء القبطان أدهى من الأنواء والرياح.

أنتم المنارة، تحترق كالحسرة من دون انقطاع، تضيء مسار المواكب والمراكب والشراع. كيف لعاقل صادق أن يفهم طعنات الجحود ونكران الجميل حتى نكران حق الشهادة والبطولة والخلود؟

قلّما كابر أناس على من ضحّوا بذواتهم فداء عنهم كما كابر مجتمعنا.

رأيتُ بأمّ العين عروساً روسية تضع باقة عرسها على قبر الجندي المجهول في موسكو.

وقفت في باريس أتأمّل اسماء من سقط من المقاومين لتحريرها.

ابن الشهيد هناك يدعى ابن الامة، pupille de la nation وكلمة pupille تعني الطفل كما تعني بؤبؤ العين وهو اغلى ما في الانسان، يرى الدنيا من خلاله.

لماذا جحد بعض مجتمعنا بشهادة شهدائه. هم شهداؤه، شهداء الوطن والأمّة وليسوا شهداء "القوات اللبنانية" او حتى المقاومة اللبنانية حصراً. تجرّأوا، أقدموا، اندفعوا، فداءً عن مجتمع تهدّد ودولة تخاذلت ووطن تهاوى. أرادوا الحياة للمجتمع وللدولة وللوطن فاستشهدوا. خسروا الحياة ولم يربحوا اعتراف مجتمعهم. من دون اعتراف المجتمع وتبنّي التضحيات لا دولة ولا وطن ولا مصير.

ماتوا ضيعان؟

كلا، لم يموتوا ضيعان. ان ماتوا ضيعان نكون عشنا ضيعان وسنموت ضيعان.

الشهادة إرثٌ وإن تبدّد الارث يكون الوريث هو الخاسر لا المورث.

لا مكان لشهدائنا في لعبة السلطة. كل المكان لهم في قلب الوطن وروحه وقيمه.

هُم نجمة الصبح ونجمة الشمال، هم الوجهة والسبيل، هم درّة ترصّع قبة سمائنا الملبدة.

لا ترقدوا يا رفاقي كي لا نرقد فنموت.

انتفضوا وانفضوا التراب من حولكم. استوطنوا حناجرنا وافعالنا والضمائر.

استوطنوا لبنان فهو لكم وحدكم، ما دامت الارض ارضاً والأرز أرزاً والزمان زماناً.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.