كيف سيتذكّر العالم هجوم 11 أيلول بعد قرن من الزمن؟

02 : 01

كيف يُعقَل أن يتذكر الناس هجوم 11 أيلول في ذكراه المئوية؟ هل سيُعتَبر حدثاً مأسوياً لكن عابراً، أم نقطة تحوّل غيّرت وجه الولايات المتحدة ومسار السياسة العالمية بطريقة جذرية؟ وهل ستعتبر الأجيال المستقبلية ذلك اليوم انعكاساً بارزاً للنزعات الكامنة، أم الدافع الحقيقي وراء سلسلة من الإخفاقات الكارثية في مجال السياسة الخارجية، أم حدثاً معزولاً بقيت تداعياته ضئيلة نسبياً على المدى الطويل؟ يستحيل أن نتوقع طريقة تفسير هجوم 11 أيلول مستقبلاً، لكنّ المعنى المنسوب إليه سيختلف على الأرجح بحسب هوية المحللين. سيحمل الأميركيون نظرة مختلفة عن الأفغان، أو العراقيين، أو السعوديين، أو الأوروبيين، وقد يُعتبر مجرّد حدث تاريخي هامشي برأي الكثيرين حول العالم. لا أهمية للآراء التي نحملها اليوم بالنسبة إلى الآخرين، لا سيما بعد تلاشي الذكريات وحصر التركيز بالأحداث المعاصرة.

يبقى التساؤل حول رأي الناس بهجوم 11 أيلول في العام 2001 تدريباً مفيداً لأنه يسمح بوضع ذلك الحدث في سياق جيوسياسي واسع. يمكن التفكير باحتمالَين مختلفَين جداً على الأقل (وبسيناريو ثالث إضافي). لكنّ أقرب احتمال إلى الواقع لا يتعلق عموماً بما حصل في صباح ذلك اليوم المشمس قبل عشرين سنة، بل إنه يرتبط فعلياً بما حدث رداً على تلك الاعتداءات. كذلك، ستُحدد أحداث العقود القليلة المقبلة طريقة استذكار هجوم 11 أيلول بعد قرن من الزمن.

الخيار الأول: شي جين بينغ يُحقق رغباته

لنتخيّل للحظة أن الرئيس الصيني شي جين بينغ نجح في تحقيق أكبر أمنياته وأن السنوات الثمانين المقبلة ستُعرَف باسم "القرن الصيني". وفق هذا السيناريو، ستتابع الصين صعودها الاقتصادي المتسارع وتفرض سيطرتها في نهاية المطاف، كما فعلت الولايات المتحدة خلال معظم فترات الحرب الباردة. لن تصبح الصين القوة المهيمنة على الساحة الدولية وتتسلّط على الدول الأخرى أو تُوجّه جميع أحداث العالم، بل إنها ستتمكن من التحكم بأهم ابتكارات التكنولوجيا، وتفرض سيطرة حقيقية في محيطها، وتزيد تأثيرها على تحركات الدول أكثر من أي قوة أخرى. كذلك، سيكون صوتها الأكثر تأثيراً في معظم المؤسسات الدولية، وستصبح الأكثر قدرة على تحديد القواعد التي تُوجّه معظم التفاعلات الدولية.

إذا تحقق هذا السيناريو، سيُعتبر هجوم 11 أيلول حدثاً محورياً كونه سرّع التراجع الأميركي. لا يتعلق السبب بالأضرار الناجمة عن الاعتداءات التي استهدفت مركز التجارة العالمي والبنتاغون، ولا حتى بالعواقب الاقتصادية على المدى القصير (تعافت الولايات المتحدة منها سريعاً)، بل بالقرارات الكارثية التي اتخذها القادة الأميركيون للرد على ذلك الحدث.

وفق "مشروع تكاليف الحرب" الذي أعدّته جامعة "براون"، تكبدت الولايات المتحدة حوالى 8 تريليون دولار بسبب الحرب العالمية على الإرهاب. يُعتبر هذا المبلغ ضخماً حتى لو توزع على سنوات عدة، وكان من الأفضل إنفاقه على قطاعات البحث والتطوير، والبنى التحتية، والتعليم، والرعاية الصحية، أو أي عناصر أخرى من القوة الوطنية. أو كان يمكن إبقاء تلك المبالغ في جيوب دافعي الضرائب، ما يسمح لهم بتحسين مستوى معيشتهم. أُنفِقَت معظم تلك المبالغ على حروب اختيارية في العراق وأفغانستان، فضلاً عن عدد من الصراعات الأخف وطأة، وحروب أخرى أمعنت في زعزعة استقرار المناطق الهشة أصلاً وقتلت مئات آلاف الناس، معظمهم من الأجانب. على صعيد آخر، شكّلت الحرب العالمية على الإرهاب مصدر إلهاء كبير عن مجموعة من المخاوف الاستراتيجية الواسعة، لا سيما تنامي النفوذ الصيني بدرجة كبيرة. لن نبالغ حين نقول إن هجوم 11 أيلول، ولا سيما الرد الأميركي عليه، كان أشبه بهدية ثمينة لبكين.

يفترض هذا السيناريو أيضاً أن تفشل الولايات المتحدة في استخلاص الدروس الصائبة من آخر عشرين سنة وتعجز عن كبح دوامة الموت التي تُهدد جوهر نظامها الديمقراطي في الوقت الراهن. بدل إعادة إحياء الهدف القومي الكبير، وترسيخ الوحدة داخل المجتمع الذي يزداد تعددية على المستوى الثقافي، وتجديد التزام النخبة السياسية بتحقيق المصلحة العامة، ستتراجع الولايات المتحدة وتتحوّل إلى شبه ديمقراطية حاقدة حيث تتلاشى محاسبة الناخبين للمسؤولين بسبب استفحال مظاهر التلاعب، وقيود التصويت، ووفرة الخرافات التي تروّج لها الوكالات الإخبارية، فلا تحاول هذه الأخيرة توعية الرأي العام بل تنحاز إلى طرف دون سواه. وبدل نشوء سوق تنافسي للأفكار وتقوية تأثير الناخبين، سيصبّ النفوذ السياسي في مصلحة أصحاب أكبر الميزانيات، ومروّجي أكثر الأكاذيب جاذبية، ومن يفتقرون إلى المبادئ.

إذا تحقق هذا السيناريو المستقبلي القاتم، سيتوقف الأميركيون عن التعاون في ما بينهم لتوزيع المنافع على الجميع بالتساوي، وسينشغلون في المقابل بالتشاجر حول حصصهم. وإذا تزامنت هذه الأحداث مع أخطاء فادحة أخرى في مجال السياسة الخارجية، من الأسهل على الصين حينها أن تتفوق على الولايات المتحدة في تعاملها مع الأحداث الفوضوية وتُحقق طموحات شي جين بينغ. إذا لم يُعتَبر هجوم 11 أيلول بمثابة ناقوس موت للعظمة الأميركية، قد يصبح بنظر الكثيرين اللحظة المحورية التي سرّعت التراجع الأميركي. في هذه الحالة، ستُعتبر الخدعة التي استعملها أسامة بن لادن لاستفزاز الولايات المتحـدة ودفعها إلى إطــلاق رد كفيل بتدميرها مبرّرة لمجرّد أن الولايات المتحدة وقعت في الفخ الذي نصبه لها.

لكن لن يكون هذا الخيار الأول حتمياً، فقد يتحقق سيناريو آخر.

الخيار الثاني: النهضة الأميركية

لنفترض أن أكبر أمنيات الرئيس جو بايدن تحققت وأن الولايات المتحدة نجحت في استرجاع تماسكها. وفق هذا السيناريو المستقبلي المشرق، ما هي النظرة التي سيحملها الناس إلى هجوم 11 أيلول؟ يبدأ هذا السيناريو بالاعتراف بنقاط قوة الولايات المتحدة، وهي مزايا يميل المواطنون الأميركيون إلى نسيانها وسط الأزمات والاتهامات المتبادلة. على عكس معظم الديمقراطيات الثرية الأخرى، سيتابع الشعب الأميركي النمو خلال بقية مراحل هذا القرن. سيبقى اقتصاد البلد محركاً للابتكار في قطاعات أساسية كثيرة رغم تقليص ميزانيات البحث والتطوير.

يفترض هذا السيناريو أن تتلاشى الظروف المحتدمة التي تشهدها السياسة الأميركية المحلية راهناً وأن تحدّ موجة جديدة من التقدمية آثار الأموال الفاسدة في عالم السياسة. مجدداً، ستسمح العودة إلى سياسة منطقية ومعتدلة في ملف الهجرة بجذب مهاجرين موهوبين وحيويين ومتفوقين في مجالاتهم من دول أخرى وتحويلهم تدريجاً إلى أميركيين، كما فعلت الولايات المتحدة على مر تاريخها. سيتأقلم الأميركيون البيض مع مكانتهم كجزءٍ من نظام التعددية بدل أن يكونوا الأغلبية بفضل توسّع مظاهر التسامح العرقي التي يلوّح بها الأميركيون الأصغر سناً منذ الآن. وسيبقى الابتكار العامل الذي يحرك النمو الاقتصادي، وسيتراجع الإنفاق على القدرات العسكرية غير الضرورية والحروب الخاسرة أو غير النافعة، وستعكس الإصلاحات السياسية مسار الهجوم الراهن على حقوق التصويت وتُجدد مظاهر المحاسبة في عالم السياسة. وبعد التخلي عن الجهود العقيمة لفرض الهيمنة الليبرالية، ستعود الاستراتيجية الأميركية الكبرى إلى المبادئ المنطقية التي وجّهتها بنجاح في معظم مراحل تاريخ البلد.

في غضون ذلك، لنتخيل أن تتعثر الصين في مسارها. لن تنجح الصين في بلوغ المكانة المتفوقة التي تريدها بسبب وضعها الديمغرافي السلبي (يرتفع عدد المتقاعدين المسنين وغير المنتجين مثلاً)، والأضرار البيئية، وندرة الموارد، والمعارضة العالمية الناجمة عن مقاربة بكين العشوائية في المجال الدبلوماسي. قد يخطئ قادة الصين في حساباتهم كما فعل القادة الأميركيون بعد 11 أيلول، ويهدرون في نهاية المطاف الموارد خلال حرب عقيمة خاصة بهم. وحتى لو تجنّب قادة الصين الراهنون والمستقبليون الأخطاء الفادحة، سيتباطأ نمو البلد الاقتصادي وسيضطر الحزب الشيوعي الصيني للتركيز على احتواء الاضطرابات الاجتماعية. إذا تحققت هذه التوقعات كلها، لن نشهد على بدء "القرن الصيني" خلال الثمانين سنة المقبلة.

وفق هذا السيناريو، سيصبح هجوم 11 أيلول بحلول العام 2101 ذكرى بعيدة بنظر الأميركيين الأحياء في تلك الحقبة. قد لا يكون الوضع كذلك بالنسبة إلى الجميع طبعاً، لكن سيبقى ذلك الاعتداء حدثاً مأسوياً معزولاً أدى إلى بعض الردود المؤسفة من دون أن يسيء بشكلٍ دائم إلى مكانة الولايات المتحدة في العالم. ما زلنا نسمع حتى الآن كلاماً كثيراً عن الكساد العظيم، ومواقف الاسترضاء في ميونخ، وهجوم "بيرل هاربور"، وإنزال النورماندي، وحرب فيتنام، لكنّ تدمير البارجة "يو إس إس ماين" أصبح في طي النسيان مثلاً. إذا تمكنت الولايات المتحدة من تجديد نفسها خلال العقود القليلة المقبلة، سيُعتبر هجوم 11 أيلــــول مأساة عابـــرة يفضّل معظم الأميركيين نسيانها.


سيناريو أخير


أخيراً، يبرز احتمال واضح آخر على الأقل. إذا تبيّن أن أسوأ السيناريوات المتوقعة حول التغير المناخي صحيحة، ستشهد السنوات الثمانين المقبلة سلسلة من التحولات في حياة البشر لدرجة أن يبدو هجوم 11 أيلول والحرب العالمية على الإرهاب مجرّد مصدر إلهاء بسيط. وإذا فاضت المياه في المدن الساحلية، واختفت الدول الجزرية، وضَعُف تيار الخليج، وأصبحت مساحات واسعة من العالم غير صالحة للسكن بسبب خليط قاتل من الحر والرطوبة، وبدأ مئات ملايين الناس يهاجرون في محاولة يائسة منهم للبقاء على قيد الحياة، لن يحصل أحفادنا على الوقت الكافي للتفكير بهجوم إرهابي وقع قبل هذه المعاناة الإنسانية الكبرى. في أفضل الأحوال، سيُعتبر هجوم 11 أيلول واحداً من عوامل عدة منعت الولايات المتحدة ودولاً كثيرة أخرى من التحرك في الوقت المناسب.

باختصار، لن يتوقف معنى 11 أيلول بالنسبة إلى الأجيال المستقبلية على حقيقة ما حصل في ذلك اليوم أو رد الولايات المتحدة وأطراف أخرى عليه، بقدر ما سيتأثر بما فعله الأميركيون والآخرون بعد تلك المرحلة. لكن لا أحد يثق بأننا سنقوم بخيارات صائبة للأسف!



يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.