عيسى مخلوف

هذه المَيتة اللبنانيّة !

4 دقائق للقراءة

"أسابيع أو أشهر قليلة وتنتهي الحرب"، قال لي والدي وهو يودّعني في الحادي عشر من شهر آذار من العام 1976. وذات يوم، من أيّام العام 2010، أي بعد مرور 34 سنة على سفري، اتصلتُ بوالدتي لأطمئنّ عليها وأسمع صوتها فسمعتها تقول بما بقيَ لها من القوّة: "انتهى العمر ولم نشبع من رؤية بعضنا". كانت هذه الكلمات القليلة هي العبارة الأخيرة التي تلفَّظت بها عشيّة رحيلها.

ما هذا الوطن المشتعلة حروبه ونزاعاته على الدوام والذي يختصر المستقبل بعبارة واحدة: "الآتي أعظم"؟ الوطن الترانزيت الذي يبحث فيه الواحد عن جواز سفر وهو لا يزال في بطن أمّه، فتتكرّر المأساة من عقد إلى آخر ومن جيل إلى جيل. كأنّ الذي يرى النور في بلد الأرز إنّما يولد مرفوعاً على الصليب. لا، ليس جميع الذين يولدون هناك، فمنهم من تجذّرت الطائفية في نفوسهم وأصبحوا يقدّسون سياسيين يدوسون كرامتهم الإنسانية كلّ يوم. أصبحوا يؤلّهونهم حتّى لو هجّروا أبناءهم وسرقوا ودائعهم ودمّروا بيوتهم وأطفأوا بيروت وأعادوها إلى زمن مضى، وقتلوا بأيديهم الصوت المعارض - ومعه فسحة الحرّية التي كانت، يوم كانت - أو غطّوا بصمتهم تلك الاغتيالات المرعبة التي لطّخت سماء المدينة وذاكرتها بالدماء.

لا، ليس الذين يعيشون حالة متقدّمة من الاستلاب ويدافعون عن عبوديّتهم ظناً منهم أنها خلاصهم وخلاص طوائفهم، بل أولئك الذين تجرّأوا وحلموا بلبنان آخر، أجمل وأفضل، متعدّد وديمقراطي وحرّ، واعتقدوا أنّ إمكانيّة تحقيق هذا الحلم ممكنة وقريبة الأجَل.

في هذا الواقع المعقّد بالذات، قد نجد الجواب على السؤال المُحيِّر الآتي: كيف يمكن لحفنة من الحَمقى والأمّيين أن تأخذ إلى هذا المصير المأسويّ بلداً وشعباً، ومن أبناء هذا الشعب من عُرفَ بكفاءاته وطاقاته الخلاّقة داخل لبنان وعلى المستوى العالمي؟ قد نجد الجواب أيضاً في الأدب اللبناني الذي أرّخ بشكل مختلف للواقع المتفجّر بدءاً من الحرب الأهليّة، مع عدد كبير من الشعراء والروائيين، ومنهم، على سبيل المثال: أنسي الحاج وعبّاس بيضون ومحمّد علي شمس الدين وشوقي بزيع والياس خوري وحسن داوود وهدى بركات ونجوى بركات، وعلويّة صبح وألكسندر نجّار وفينوس خوري غاتا ورشيد الضعيف وجبّور الدويهي، وربيع جابر وحنان الشيخ وجورج يرق وجورج شامي ويوسف حبشي الأشقر. ومن الحرب الأهليّة وصولاً إلى انفجار الرابع من آب، وحتّى اليوم، استمرّ التأريخ الأدبي للحالة اللبنانيّة مع عبده وازن وعقل العويط وشريف مجدلاني ودومينيك إدّه وهيام يارد وديما العبدالله.

هكذا يستهلّ عبده وازن قصيدته "بيروتشيما" التي صدرت مؤخّراً في باريس تحت عنوان "بيروت الرابع من آب 2020 السادسة مساء"، عن دار نشر "لانسكين"، باللغتين الفرنسيّة (ترجمة أنطوان جوكيه) والإنكليزيّة (ترجمة بول ستاركي)، إضافة إلى النصّ العربي: "نسيم البحر يهبّ على مرفأ بيروت/ ينسلّ بين الخرائب حاملاً إليها قليلاً من ملح/ يتهادى فوق حطام المعدن والألمنيوم/ بين بقايا جدران ومخازن/ جرّدتها النار من روحها". أمّا عقل العويط فيخاطب مدينته في مرثيّة "الرابع من آب 2020": "أمّا أنتِ يا بيروت، فيمكنكِ أن تستعيني بموتكِ مؤرَّخاً في 4 آب 2020، وممهوراً بتوقيته الدقيق، الساعة السادسة وسبع دقائق مساءً، لتعثُري على ما يبرّرُ استفاقةَ الحياة". هكذا يحفر الشعر هنا طريقه بين الأنقاض بحثاً عن بارقة أمل. لكنّه الأمل وعلى رأسه إكليل من الشوك.

لقد ملَّ طائر الفينيق القيامَ بدوره على الطريقة اللبنانيّة وأُصيبَ بالسأَم، ولم تتعب الطبقة السياسيّة من استباحة البلد ومصادرته والمتاجرة به، لمزيد من الانقسام والتهجير والانقضاض على ما بقيَ من الأَعمار الضئيلة. الكلمات التي كتبتها الشاعرة ناديا تويني إبّان الحرب الأهليّة، وكانت حينذاك مصابة بالسرطان، تبدو كأنّها كُتبت اليوم: "سبق لي أن نجوتُ من الموت، ويبدو أنّها كانت بطولة. هذه المرّة أنا مريضة، مريضة جدّاً. وما هَمّ؟ أنا من بلد ينتحر كلّ يوم بينما يقتلونه. في الحقيقة، أنا من بلد مات مراراً، فلماذا لا أموت أنا أيضاً بهذه الميتة الناهشة والبشعة، البطيئة واللئيمة، هذه الميتة اللبنانيّة؟".

لكن، على الرغم من كلّ شيء، هناك من لا يريد أن يموت هذه المَيتة، ليحقّق حلم الذين ماتوا من أجله.