د. نسيب حطيط

المجلس الشيعي... بعد غياب الجيل المؤسس

15 أيلول 2021

02 : 00

يرتكز العمل السياسي والإنمائي في لبنان على ركيزتين "دينية" و"مدنية" وتلعب المؤسسات الروحية ورؤساؤها دوراً أساسياً وتشكل "التوأم" للشخصيات والزعامات والأحزاب السياسية، ولكل "زعيم" او "حزب" مؤسسته الروحية الداعمة لخطابه فيستنجد بالطائفة والمذهب لتحصيل مكاسب سياسية او حقوق يفترضها ضائعة. لقد تمايز الامام موسى الصدر عن هذه المنظومة بحيث جمع بين الزعامة الروحية (رئيساً للمجلس الشيعي) والقيادة السياسية (قائداً لحركة امل) خلاف كل الزعامات الروحية اللبنانية الاخرى.

بعد اختطاف الامام الصدر، تعرّضت البنية والهيكلية الجماعية للشيعة اللبنانيين لضربة قاسية وتبعتها ضربات متتالية عبر الإجتياحات الإسرائيلية من جهة، ومحاولة التصفية الداخلية التي قادتها المنظمات الفلسطينية والحركة الوطنية... وتعرّضت القيادة الموحّدة بشخصه للانقسام الأول... الاكراهي والالزامي غير الطوعي لضرورة الاختصاص... بين القيادة الدينية (المجلس الشيعي) برئاسة الشيخ محمد مهدي شمس الدين يعاونه الشيح عبد الامير قبلان، وبين القيادة السياسية المدنية لقيادة "حركة أمل" برئاسة الرئيس حسين الحسيني (مدة عام تقريباً). ثم الرئيس نبيه بري من العام 1980... لكن هذا الانقسام الذي فرضته الضرورة والاختصاص بقي في اطار وحدة الموقف والقرار، أما الإنقسام الثاني الذي تعرّضت له الهيكلية الموحدة للشيعة... فكان تأسيس "حزب الله"، وكانت ولادة غير هادئة... انتهت والحمد لله بالتفاهم ووحدة القرار العام والتنسيق وتم تثبيت مصطلح (الثنائية) لإدارة وحدة القرار في العناوين الكبرى والثوابت...

عاش المجلس الشيعي ثلاث مراحل تمايزت من حيث الدور والانتاجية والتأثير وهي:

- (مرحلة التأسيس): وتعتبر المرحلة الذهبية برئاسة الامام المخطوف موسى الصدر، حيث عمل لأن يكون المجلس مؤسسة تمثيلية جامعة لكل الأطياف الشيعية على اختلاف توجهاتها وعقائدها وانتمائها السياسي والمناطقي بما يشبه (المؤتمر العام الدائم للشيعة اللبنانيين). ومن دون خوف من وقوع المؤسسة بيد الخصوم العقائديين او الحزبيين... ولعدم البقاء في دائرة التبعية التمثيلية او الضياع او التغييب السلبي المقصود او غير المقصود... ولتثبيت وحدة القرار الشيعي واستيعاب الكفاءات، وحفظ الحقوق في بلد يعتمد النظام الطائفي لدى الطوائف الأخرى، للتعويض عن الحرمان الإنمائي الذي يعانيه الشيعة ومناطقهم.

- (مرحلة الطوارئ والتثبيت) وهي فترة ولاية الشيخ شمس الدين والتي تعرضت لاهتزازات كثيرة بسبب الوقائع الشيعية المستجدة سياسياً وحزبياً، واعلان السيد محمد حسين فضل الله مرجعيته ومحاولة الشيخ شمس الدين تثبيت استقلالية القرار اللبناني بدون التصادم مع الجمهورية الاسلامية وبالتلازم مع التوافق مع النجف... ومحاولة تثبيت استقلالية المجلس الشيعي بقراره السياسي الداخلي.. والتي تميزت بعدم شعبيتها بسبب شخصية الشيخ شمس الدين النخبوية غير الشعبية.

- (مرحلة الشراكة والمساكنة) برئاسة الشيخ عبد الامير قبلان والتي شهدت نوعاً من الهدوء والتوافق (الشيعي-الشيعي) ونظراً لشخصية الشيخ قبلان غير التصادمية والمنفتحة (بدون مغادرته لموقعه وانحيازه الواضح لحركة امل)، الا انه لم يقفل الابواب مع الحزب... للدخول لهيكلية المجلس الشيعي... (رمزياً).

بعد وفاة سماحة المرحوم الشيخ عبد الأمير قبلان تنتهي مرحلة الجيل المؤسس، مما اظهر إشكالية كبرى تتمثل في الإلتباس في فهم اهداف الامام الصدر للمجلس الشيعي، حيث تم تقزيم الدور والوظيفة وتضييق مفاهيمه ليمثل مؤسسة دينية تتعلق بالاوقاف والتبليغ وحملات الحج، بدل ان يكون المجلس الحاضن والراعي للطائفة المحرومة (التي تحتضن كل المحرومين من كل الطوائف والمناطق)... تعويضاً جزئياً لغياب الدولة او تغييبها عن اهلها المحرومين... فكانت حركة المحرومين... وبعد غياب الشيخ قبلان يدخل المجلس الشيعي مرحلته الرابعة التي ستختلف عن مراحله الثلاث الماضية... وسيقوده الجيل الثاني، بغياب المؤسسين وتطرح أسئلة متعددة حول دور ووظيفة المجلس الشيعي للمرحلة القادمة.

هل سيبقى مؤسسة دينية... أم مؤسسة دينية-سياسية-إنمائية؟

ما مصير رجال الدين الذين لا يعترف بهم المجلس الشيعي خريجي بعض الحوزات الدينية والذين يقارب عددهم حوالى الستماية (600) رجل دين؟

هل ستكبر الشراكة والتقاسم والتفاهم بين "الثنائية" كما هو الحال في الادارات الرسمية والوزارات والمجلس النيابي؟؟؟

هل سيعود للمجلس دوره لاحتضان التنوع الشيعي؟

هل ستجري الانتخابات او يتم التفاهم على تعيين رئيس للمجلس ونائبين له؟

هل يتم تعيين سماحة الشيخ علي الخطيب رئيساً للمجلس مع تعيين المفتي الجعفري الشيخ احمد قبلان نائباً له... لفترة انتقالية؟

ان طرح هذه الأسئلة محاولة لبدء حوار ونقاش هادئ وعلني تشترك فيه أطياف الفكر الشيعي لإعادة الحيوية والدور اللائق بالمجلس، واعادة تنظيمه وتطوير ادواته وهيكليته لتأمين وإدارة المصالح العامة الدينية والاجتماعية والوطنية.

(*) كاتب وباحث سياسي - بيروت في 14/9/2021


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.