أمراء الطوائف مطمئنون، وإن بدا بعضهم قلقاً حيال ما وراء تحرك الغاضبين في الشارع. لا هم في خوف على السلطة من انفجار كبير، بالرغم من كون عوامل الإنفجار حاضرة. ولا هم على استعداد لقرارات سياسية صعبة في باب الإصلاحات المطلوبة للخروج من هاوية الأزمات المالية والإقتصاديّة، لأن ذلك بالنسبة إليهم "إنتحار سياسي". فنحن في نظام أزمة بنيوية دائمة ولّادة أزمات على السطح. ولبنان ليس بلد ثورات بل بلد تسويات موقتة وحروب أهلية.
وما نراه حالياً، وسط الإعتراف بخطورة الأوضاع، هو الإستمرار في ممارسة خطأين: اعتماد على السياسة النقدية كبديل من السياسات المالية والإقتصادية. ورهان على سياسة لوم الآخرين على طريقة الأنظمة التي قال الرئيس فرنسوا ميتران أنها "تجد في كل أزمة مذنباً، لكنها لا تجد حلاً".
والسؤال هو: كيف يصمد الإستقرار، ولو هشّاً، في هذه الحال؟ والجواب أن السبب ليس هبوط الحكمة على أهل المحاصصة بل الحاجة الأقليمية والدولية إلى خدمات يقدمها لبنان المستقر لأهل الحروب والصراعات في المنطقة. فالضبط الخارجي قوي جداً، وأن رافقه أحياناً فلتان داخلي. وما كان حلماً للبنانيين الذين أخذهم التشابه في الطبيعة إلى تصوير لبنان "سويسرا الشرق" صار واقعاً بشكل آخر فرضته قوة الأشياء.
ذلك أن الحرص على حياد سويسرا واستقرارها خلال الحرب العالمية الثانية لم يكن عفة عن الغزو بل ضرورة لخدمات مصرفية وطبية واستخبارية في أرض آمنة للمتصارعين. وبعد إندلاع ثورات ما سمي "الربيع العربي" في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن، فإن الحاجة إلى بلد مستقر يقدم خدمات لبلدان الإضطرابات والحصار أعطت لبنان دور "سويسرا الشرق الأوسط". وهو قادر على ممارسة الدور مهما تكن أزماته ثقيلة الأحمال على المسرح.
المتصارعون في حرب سوريا يحتاجون إلى المرفأ والمطار والمصارف والمستشفيات والمحروقات وسواها في لبنان. المحور الإيراني يحتاج إلى الإستقرار من أجل استثماره "الأمني والسياسي في لبنان وانخراط "حزب الله" في حرب سوريا من دون عرقلة يسببها اضطراب في الداخل". المحور الأميركي - العربي المناهض للمشروع الإيراني حريص على منع الإنهيار الإقتصادي في لبنان ورصد المنطقة منه والحؤول دون وقوعه بالكامل في المحور الإيراني. كذلك أوروبا، وفرنسا بالذات.
وأقل التحديات أمام السلطة، ما دمنا نقدم خدمات للجميع، هو تقديم الخدمات للبنانيين.