"القاعدة" VS "داعش"

02 : 01

أدى استيلاء "طالبان" السريع على أفغانستان إلى تأجيج المخاوف من تحوّل البلد مجدداً إلى ملاذ آمن للإسلاميين المتشددين الراغبين في تنفيذ عمليات إرهابية دولية. إنها مخاوف مبررة نظراً إلى تاريخ "طالبان" في إيواء الجماعات المتطرفة. لكن تواجه الجماعتان اللتان تتنافسان اليوم على كسب النفوذ في البلد، أي "القاعدة" و"داعش"، عوائق جدّية في خضم مساعيهما لاستعمال أفغانستان كمنصة لتعزيز قوتيهما وإطلاق موجة جديدة من الاعتداءات الإرهابية.

ثمة خلاف بين هاتَين الجماعتَين أصلاً حول دور أفغانستان المرتقب بعد سيطرة "طالبان" عليها في المشهد الجهادي العالمي. تعتبر "القاعدة" انتصار "طالبان" أسطورياً على اعتبار أنه جزء من وعد الله بمنح النصر إلى المؤمنين ضد الكفار. أما تنظيم "داعش"، فهو لا يعتبر ما حصل انتصاراً بأي شكل، بل دليلاً إضافياً على استعداد "طالبان" للتعاون مع الأميركيين.

دولة خلافة مستقبلية

أم حليفة لواشنطن؟منذ ظهور تنظيم "داعش" في العام 2013 وإعلانه عن نشوء دولة الخلافة خلال السنة اللاحقة في الأرض التي استولى عليها في العراق وسوريا، حاولت "القاعدة" طرح نفسها كجهة أكثر براغماتية واعتدالاً من بين الجماعتَين. هي أكثر تحفظاً على مستوى تكفير غير المسلمين وأكثر انشغالاً بجذب الرأي العام في العالم الإسلامي. كذلك، عمّقت "القاعدة" علاقاتها الوثيقة أصلاً مع حركة "طالبان". تعود العلاقة التي تجمع الطرفَين إلى بداية حُكم "طالبان" في العام 1996، حين دعت هذه الحركة زعيم "القاعدة" أسامة بن لادن للبقاء في أفغانستان تحت حمايتها. في العام 2001، قبل وقوع هجوم 11 أيلول، أقسم بن لادن علناً يمين الولاء لزعيم "طالبان"، المُلا عمر، ودعا جميع عناصر "القاعدة" في البلد إلى القيام بالمثل.

بقيادة خَلَف بن لادن، أيمن الظواهري، زادت "القاعدة" تركيزها على ولائها لحركة "طالبان". وفق الحملة الدعائية التي أطلقتها "القاعدة"، تُعتبر "إمارة أفغانستان الإسلامية"، وهو الاسم الرسمي الذي تستعمله "طالبان"، مقر الخليفة المنتظر وزعيم "طالبان" الذي يمثّل "أمير المؤمنين" (إنه اللقب الذي يحمله الخليفة تقليدياً). حصل هذا التطور رداً على إعلان دولة الخلافة من جانب "داعش" في حزيران 2014، وقد شمل ذلك الإعلان حينها مرسوماً مفاده أن جميع الجماعات الجهادية الأخرى، بما في ذلك "القاعدة"، لم تعد شرعية. ردّت "القاعدة" على ما حصل عبر إعطاء معنىً جديد لعلاقتها مع "طالبان"، فذكرت أن شبكة "القاعدة" تبقى متماسكة بفضل رابط خاص ومشابه لنظام الخلافة تحت رعاية إمارة أفغانستان الإسلامية.

حققت "القاعدة" غايتها من خلال التشديد مجدداً على ولائها لحاكم "طالبان". في بيان أصدرته في العام 2014 مثلاً، أعلنت عن "تجديد البيعة لأمير المؤمنين، المُلا محمد عمر، محارب الجهاد"، وأكدت على اعتبار "القاعدة وفروعها في جميع الأماكن جنوداً في جيشه". في غضون ذلك، جدّد الظواهري علناً البيعة باسم شبكة "القاعدة" كلها للزعيمَين اللاحقَين في "طالبان": المُلا أختر محمد منصور في العام 2015، والمُلا هيبة الله آخند زاده في العام 2016. وصف الظواهري في كل رسالة إمارة أفغانستان الإسلامية بعبارة "أول إمارة شرعية" منذ سقوط الخلافة العثمانية في العام 1924.

كذلك، اعتبرت فروع "القاعدة" زعيم "طالبان" السلطة المرجعية العليا بالنسبة إليها. في آذار 2017 مثلاً، حين تكلّم المتمرد المالي إياد أغ غالي عن تشكيل فرع جديد للقاعدة في غرب أفريقيا، أعلن ولاءه للظواهري وآخند زاده في آن.

هذه المعطيات كلها تتعارض على ما يبدو مع نص الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة و"طالبان" في شباط 2020، حيث تعهدت "طالبان" بوقف دعم "القاعدة" وبدء محادثات سلام مع الحكومة الأفغانية. لم توافق "طالبان" على "قطع علاقاتها" مع "القاعدة"، كما يُقال في بعض التقارير، لكنها تعهدت بعدم "استضافة" أو دعم "القاعدة" وأي جماعات مماثلة، ووعدت أيضاً بمنع استعمال أفغانستان "لتهديد أمن الولايات المتحدة وحلفائها".

لكن يبدو أن كبار قادة "القاعدة" لم ينزعجوا من ذلك الاتفاق. في آذار 2020، نشر التنظيم بياناً لتهنئة "طالبان" بالانسحاب الأميركي الموعود. أشاد ذلك البيان باتفاق الدوحة الذي أُبرِم بوساطة قطرية، واعتبره "انتصاراً تاريخياً عظيماً"، ودعا المسلمين حول العالم إلى الاقتداء بحركة "طالبان" من حيث التزامها بقضية الجهاد. هكذا اعتُبِرت إمارة أفغانستان "نواة الدولة الإسلامية" أو دولة الخلافة التي تحكم البلاد بحسب شريعة الله.

فيما كانت "القاعدة" تعمل على تعزيز علاقتها مع "طالبان"، عمد "داعش" إلى اتهام "طالبان" بالضلال. من وجهة نظر "داعش"، أصبح انحراف "طالبان" عن الخط الديني المستقيم حاداً غداة مقتل المُلا عمر في العام 2013، فقد أهملت الحركة في المرحلة اللاحقة أهمية تطبيق الشريعة الإسلامية، وزادت نزعتها القومية، وباتت أكثر تسامحاً مع الأقلية الشيعية في أفغانستان، وحاولت أن تقيم علاقات مع دول كافرة، بما في ذلك قطر "المرتدّة". كذلك، انتقد "داعش" حركة "طالبان" لأنها رفضت ادعاءه القائل إنه أعاد إنشاء دولة الخلافة، وقاومت جهوده في العام 2015 لإقامة "ولاية" في الأرض المسمّاة "خراسان"، وهي منطقة تاريخية تشمل جميع مساحات أفغانستان المعاصرة تقريباً. تخوض "طالبان" وولاية "خراسان" التابعة لتنظيم "داعش" حرباً منذ ذلك الحين، حتى أن الولايات المتحدة قدمت الدعم الجوي إلى "طالبــان" في بعض الحالات.

بعد إعلان الاتفاق بين واشنطن و"طالبان" في العام 2020، اعتبر "داعش" هذه الصفقة دليلاً إضافياً على ضلال "طالبان". فأدان في بيان رسمي له تصرفات "طالبان" لأنها اتخذت من واشنطن "حليفة جديدة" لها، وذكر المتحدث باسم التنظيم أن الاتفاق أعطى طابعاً رسمياً للوضع الذي كان واضحاً أصلاً، ما يعني أن الولايات المتحدة و"طالبان" تتآمران معاً ضد "داعش". بعبارة أخرى، كان الاتفاق المستجد "غطاءً للتحالف القائم بين ميليشيا طالبان المرتدة والصليبيين".




انتصار مثير للجدل

بعد الاحتفال باتفاق "طالبان" مع الولايات المتحدة، أوقفت "القاعدة" تعليقاتها حول الوضع في أفغانستان طوال سنة ونصف. وفق وكالة استخبارات الدفاع الأميركية، طلبت "طالبان" من "القاعدة" "ضبط نشاطاتها وإخفاء العلاقة القديمة بين الجماعتَين إلى حين انتهاء انسحاب الجنود الأميركيين وقوات التحالف بالكامل". لكن شعرت "القاعدة" حتماً بأنها باتت تستطيع التعليق على الأحداث علناً بعد رحيل آخر جندي أميركي في 31 آب، فأصدرت بعد ساعات قليلة بياناً مكتوباً تهنئ فيه "طالبان" والعالم الإسلامي كله على هذا "النصر التاريخي".

وفق ذلك البيان، أثبتت هذه النتيجة النهائية في أفغانستان أن "مسار الجهاد"، لا التسوية أو المصالحة، هو النهج الصحيح للتعامل مع الدول الكافرة، وقد شكّلت الهزيمة الأميركية نهاية حقبة غطرسة الولايات المتحدة وأوروبا ورغبتهما في احتلال أراضي المسلمين عسكرياً. لم تذكر "القاعدة" أن "العدو الأميركي البعيد" وحلفاءه هُزِموا بالكامل، لكنها توقعت أن تُركّز المرحلة المقبلة على نشر الجهاد في دول أخرى من العالم الإسلامي.

عبّرت فروع "القاعدة" الإقليمية عن مشاعر مشابهة. أشادت "القاعدة في شبه الجزيرة العربية" في اليمن مثلاً بحركة "طالبان" لأنها تبنّت مسار الجهاد ورفضت التنازل عن مبادئها وثوابتها. برأي هذه الجماعة، سيؤدي النصر في أفغانستان إلى الإطاحة بالطغاة الظالمين وطرد الغزاة من أراضي المسلمين. وبحسب تصريح فرع "القاعدة" في سوريا، أي تنظيم "حراس الدين"، أثبت انتصار "القاعدة" أن الجهاد هو "المسار الوحيد" الذي يحقق النصر ويزيد القوة. كذلك، أصدرت فروع "القاعدة" في شمال أفريقيا والساحل الأفريقي بياناً مشتركاً يشيد بصمود "طالبان"، وذكرت أن الأحداث الأخيرة تثبت أن الجهاد هو الطريق الوحيد لنقل العالم الإسلامي من الذل إلى المجد.

لكن برأي "داعش"، تبدو الفكرة القائلة إن "طالبان" حققت أي نوع من "النصر" في أفغانستان مضحكة. من وجهة نظر هذا التنظيم، سلّمت الولايات المتحدة السلطة عمداً إلى "طالبان" التي أصبحت عميلة للأميركيين. غداة استيلاء "طالبان" على كابول في 15 آب الماضي، استخفت نشرة "داعش" الأسبوعية بصدمة الانتصار العسكري الذي حققته "طالبان"، واعتبرته "نتيجة طبيعية" للاتفاق الذي عُقِد بين الأميركيين و"طالبان" في الدوحة قبل سنة. ذكر البيان أن الوضع يشير بكل بساطة إلى حصول "عملية سلمية لنقل السلطة من حاكمٍ كافر إلى آخر... ما يعني استبدال حاكم كافر حليق بآخر ملتحٍ". تعهدت "طالبان" من جهتها بعدم السماح بوقوع اعتداء مثل هجوم 11 أيلول مجدداً، ولهذا السبب يعتبر "داعش" أن الولايات المتحدة أعادت "طالبان" إلى السلطة وسلّمتها كابول من دون إطلاق رصاصة واحدة.

كتب مناصرو "داعش" على شبكة الإنترنت تعليقات مشابهة قبل نشر بيان التنظيم. ذكر واحد من أبرز أتباعه أن الأميركيين نجحوا في إفساد مبادئ "طالبان" الدينية.

من الواضح أن آراء "القاعدة" و"داعش" لا يمكن التوفيق بينها: إما أن تميل "طالبان" إلى تحقيق المصالح الأميركية أكثر مما تريد "القاعدة"، أو تميل إلى التطرف بطريقة لا يريد "داعش" تصديقها.

تكمن الحقيقة بين هذين الخيارَين على الأرجح. تريد حركة "طالبان" أن تُحقق الهدفَين معاً، أي الحفاظ على علاقتها مع "القاعدة"، والاعتراف بها دولياً باعتبارها الجهة الشرعية التي تحكم أفغانستان. بصورة عامة، لا تتبنى "طالبان" الأجندة العابرة للحدود التي تتمسك بها "القاعدة"، إذ تبدأ مصالحهما وتنتهي في أفغانستان، أو هذا ما يزعمه الطرفان على الأقل. في الوقت نفسه، طوّرت "طالبان" علاقات وثيقة مع "القاعدة" في آخر عشرين سنة. وفق تقرير نشرته الأمم المتحدة في وقتٍ سابق من هذه السنة، يتراوح عدد عناصر "القاعدة" في أفغانستان بين العشرات و500 عنصر يتوزعون على 15 مقاطعة. يذكر التقرير نفسه أيضاً أن "التحالف بين "طالبان" و"القاعدة" لا يزال وثيقاً ولا شيء يشير إلى قطع هذه الروابط".

أنكر بعض المتحدثين باسم "طالبان" وجود أي علاقة للحركة مع "القاعدة"، لكن رفضت "طالبان" ككل التنصل من هذه الجماعة وأصرت على موقفها بكل عناد ولو كلّفها ذلك ثمناً باهظاً. يمكن نَسْب هذا العناد إلى عوامل عدة، بدءاً من القتال المشترك بين "القاعدة" و"طالبان" ضد الولايات المتحدة طوال عشرين سنة ونشوء روابط دم بينهما. ذكر تقرير الأمم المتحدة أن العلاقة بين الطرفَين ترتكز على "روابط شخصية عن طريق الزواج وشراكة قوية في الصراع، وهي تترسخ اليوم نتيجة تطوّر العلاقات وسط الجيل الثاني". في غضون ذلك، يسود منطق براغماتي لتبرير عدم إنهاء هذه العلاقة، فقد يجازف شجب "القاعدة" بإبعاد الأعضاء والفصائل الأكثر تشدداً في "طالبان"، بما في ذلك وزير الداخلية الجديد سراج الدين حقاني و"شبكة حقاني" التابعة له والداعمة لتنظيم "القاعدة".

لكن رغم استمرار هذه العلاقة، من مصلحة "طالبان" أن تبقى "القاعدة" تحت السيطرة. فيما تسعى "طالبان" إلى كسب اعتراف دولي بشرعيتها، من الجنوني أن تسمح لتنظيم "القاعدة" بإطلاق اعتداءات ضد الغرب أو حتى ضد أي دول مسلمة أخرى. يسهل أن نتخيّل شكلاً معيناً من السيناريوات حيث تقدّم "طالبان" المساحة اللازمة والدعم المالي المطلوب لمساعدة "القاعدة" على تنفيذ عملياتها، تزامناً مع ضبط نشاطاتها المرتبطة بالتخطيط للاعتداءات وإطلاقها. وفق هذا السيناريو، ستتحول أفغانستان مجدداً إلى ملاذ آمن للقاعدة حيث يستطيع عناصرها وقادتها أن يحشدوا صفوفهم مجدداً ويجمعوا الأموال ويطلقوا الحملات الدعائية ويقدموا التوجيهات لفروعهم الكبرى، لكن لن يُسمَح لهم بإطلاق عمليات هجومية.

يبدو أن محاولة "طالبان" الثانية لحُكم أفغانستان تشمل هذه المرة إيجاد التوازن المناسب بين التمسك بمبادئها المتشددة وتقديم تنازلات براغماتية لضمان استمرار حُكمها، وقد تتبع علاقتها مع "القاعدة" المسار نفسه.




طريق طويل قبل التعافي

تحتاج "القاعدة" إلى وقتٍ طويل قبل أن تتمكن من إعادة بناء تنظيمها المتصدع، وبغض النظر عن الدعم الذي تقدّمه لها "طالبان". تبدأ المشكلة من أعلى المراتب، فقد تدمرت قيادة "القاعدة" في جوهرها خلال السنوات الأخيرة. في آب 2020، قُتِل القيادي الثاني في "القاعدة"، أبو محمد المصري، بعد تعرّضه لإطلاق النار في شوارع طهران. وبعد مرور شهرَين، قُتِل حسام عبد الرؤوف، وهو قائد بارز آخر في "القاعدة"، في أفغانستان. كذلك، انتقل عدد من كبار القادة إلى سوريا بحثاً عن ملجأ آمن وقُتِلوا بضربات أميركية بطائرات بلا طيار، ما دفع أحد الإيديولوجيين الجهاديين إلى وصف شمال سوريا بعبارة "أرض اصطياد" الجهاديين المخضرمين.

زاد الوضع تعقيداً لأن أيمن الظواهري، زعيم التنظيم السبعيني، يُعتبر على نطاق واسع رجلاً مريضاً ومُنهَكاً. أنكر كتاب جديد وفيديو نشره زعيم "القاعدة" التقارير السابقة التي تتكلم عن موته في السنة الماضية، لكن لا أحد يعرف إلى أي متى سيصمد.

يقيم خَلَف الظواهري المحتمل، سيف العدل (61 عاماً)، في إيران منذ عشرين سنة تقريباً. يبدو أن الحكومة الإيرانية تبقيه هناك مع عدد من قادة "القاعدة" الآخرين لاستعمالهم كورقة ضغط. هي تمنحهم هامشاً من الحرية للتحرك لكنها تمنعهم من مغادرة البلد. تطرح إقامتهم في إيران مشكلة شائكة بالنسبة إلى "القاعدة" لأن عناصر التنظيم العاديين يعتبرون إيران الشيعية عدوّتهم الدينية والسياسية وليست مضيفة مناسبة لقادتهم. إذا حاول العدل ترأس التنظيم من مقره في إيران، سيواجه على الأرجح مقاومة من العناصر الأكثر تشدداً في هذه الجماعة. لذا قد يحاول قادة "القاعدة" المقيمون راهناً في إيران الانتقال إلى أفغانستان، لكن لا أحد يعرف بعد مدى استعداد طهران للسماح لهم باتخاذ هذه الخطوة.

تتعلق مشكلة أخرى بعجز القيادة عن السيطرة على فروعها. تنشط "القاعدة" اليوم على شكل شبكة لامركزية واسعة ولا تخضع فروعها المحلية، من شمال أفريقيا إلى جنوب آسيا، لسيطرة كبار قادة التنظيم مباشرةً. يظن بعض المحللين أن استقلالية تلك الفروع هي نقطة قوة، لكن ستصبح شبكة "القاعدة" معرّضة للتصدع أو حتى للانهيار التام من دون وجود قيادة مركزية قوية. في العام 2013، فشل الظواهري في فرض سلطته لمنع "الدولة الإسلامية في العراق" من الانفصال عن جماعته وإنشاء تنظيم "داعش". وفي العام 2016، فشل في منع "جبهة النصرة" التابعة له في سوريا من الانشقاق عن التنظيم الأصلي.

تكمن المشكلة الحقيقية التي تواجهها "القاعدة" في الاختلاف الاستراتيجي بين قيادتها وفروعها. لا تزال القيادة ملتزمة (نظرياً على الأقل) بإعطاء الأولوية للمعركة ضد "العدو البعيد" المتمثل بالولايات المتحدة وحلفائها. أما أهداف فروع التنظيم، فهي تحمل طابعاً محلياً في المقام الأول. لا تصرف هذه الجماعات معظم طاقتها للتخطيط لاعتداءات إرهابية ضد الغرب.

لكن تكمن المفارقة في استفادة عدو "طالبان" المتمثل بتنظيم "الدولة الإسلامية - ولاية خراسان" من عودة الحركة إلى السلطة في أفغانستان. ربما اختفى تنظيم "داعش" من أفغانستان بعد تكبّده خسائر كبرى وخسارته للأراضي، لكنه يملك استراتيجية مدروسة للاستفادة من الواقع الجديد. يمكنه أن يطرح نفسه كبديل جهادي متطرف عن "طالبان"، فيشدد على اعتدال الحركة المزعوم وميلها إلى تقديم التنازلات. من خلال مهاجمة الولايات المتحدة في مطار كابول في أواخر شهر آب الماضي، لم يكن "داعش" يحاول قتل الأميركيين بكل بساطة، بل أراد أن يثبت لمناصري "طالبان" الأكثر تشدداً أن جماعتهم أصبحت متساهلة جداً. شدّد "داعش" في بيانه على توجّه "طالبان" إلى حماية "الصليبيين وجواسيسهم" في مطار كابول.

سيستفيد "داعش" أيضاً من الانسحاب الأميركي من أفغانستان لأن القوة الجوية الأميركية كانت أساسية لكبح مكاسب التنظيم هناك. يحمل مناصروه على شبكة الإنترنت هذا الرأي أيضاً، فقد كتب واحد من أبرز داعميه: "جنود الخلافة في خراسان في وضع جيد. لم يعد الجيش الأفغاني موجوداً الآن، فقد هُزِمت المؤسسة العسكرية الكافرة، وهرب معظم الجنود والقادة من أفغانستان، واختفت القواعد الأميركية التي تقلع منها الطائرات لمساعدتهم أو القوات الخاصة التي تنفذ الغارات وعمليات الإنزال ضد المجاهدين. وحدها "طالبان" المرتدّة لا تزال في الساحة لمواجهة مصيرها المحتوم، وهو عبارة عن رصاصة تخترق رؤوسهم أو خنجر حاد يخترق أعناقهم".

لكن رغم احتمال أن يستفيد "داعش" من تراجع الضغوط العسكرية في أفغانستان، يبقى الدعم الذي يحصده هذا التنظيم في البلد محدوداً. يتعلق جزء من السبب بارتباطه بالسلفية، وهو شكل أصولي من الإسلام السنّي الذي يشكّل أقلية في أفغانستان حيث يطغى المذهب الحنفي والحركة الماتريدية التابعة له. في معظم المناطق التي كان "داعش" يسيطر عليها سابقاً، مثل مقاطعتَي "كونار" و"ننكرهار" الشرقيتَين، تحظى السلفية بشعبية واسعة على نحو غير مألوف. قد يتمكن "داعش" من كسب تأييد جزء من مناصري "طالبان" الأكثر تشدداً، لكنه سيجد صعوبة حتمية في توسيع قاعدته بدرجة إضافية.

تواجه "القاعدة" و"داعش" معاً تحديات صعبة في خضم محاولتهما لإعادة ترسيخ مكانتهما في أفغانستان. قد تكون عودة "طالبان" إلى السلطة أكبر فرصة بالنسبة إلى "القاعدة" كي تعيد تنظيم صفوفها منذ أكثر من عشر سنوات، لكنّ وضعها لا يسمح لها باقتناص هذه الفرصة. في المقابل، سيحاول "داعش" أداء دور تخريبي، لكنه سيجد صعوبة في كسب أي دعم محلي أو مضاهاة "طالبان" على مستوى العناصر البشرية وحجم الموارد. في غضون ذلك، ستتابع الولايات المتحدة محاولات إضعاف الجماعتَين معاً عبر شنّ ضربات متواصلة بطائرات بلا طيار. ستحصل المعركة ضد "داعش" على دعمٍ من "طالبان" على الأرجح.

هذه التطورات كلها لا تعني الاستخفاف بالتهديدات التي تطرحها تلك الجماعات الجهادية على أفغانستان وجيرانها والعالم أجمع. يجب أن يبقى الأميركيون وحلفاؤهم يقظين ويستبقوا المخاطر منعاً لعودة إحدى الجماعتَين أو الطرفَين معاً بكل قوة. لكن لا أحد يعرف بعد إلى أي حد سينجح الجهاديون في استعمال أفغانستان لتحقيق أهدافهم. لن يكون هذا النجاح إنجازاً حتمياً بأي شكل.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.