في مثل هذا الأسبوع منذ إحدى عشرة سنة، رحل المفكّر الجزائري محمّد أركون تاركاً نتاجاً فكرياً مهمّاً لم يحظ بعدُ، في العالم العربي والإسلامي، بالقراءة الوافية التي يستحقّها. وهو عملَ على تقديم قراءة جديدة للإسلام تنطلق من فكر نقدي وتستند إلى مرجعيّات ومناهج علميّة، وقد أثارت حوله ردود فعل وسجالات واسعة.
أحد الهواجس الأساسيّة التي تُحرّك هذا النتاج هو التعمُّق في فهم الإسلام والتطلّع إلى فكر تنويري وحداثة معرفيّة من خلال وضع الفكر الديني في إطاره التاريخي، على غرار ما حدث في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، مع تطوّر النقد الفلسفي والفكري، فضلاً عن الثورة العلميّة التي دحضت، بصورة عمليّة، الأساطير والخرافات التي كانت سائدة وتتألّف منها النظرة العامّة إلى الحياة والعالم. ولقد حدث الاختراق المعرفي الهائل عندما أكّد عالم الفلك والرياضيات البولوني نيكولاس كوبرنيكوس، الذي عاش بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر أنّ الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس، وأنّها ليست مركز الكون كما شاع منذ الإغريق وكما ادّعت الكنيسة الكاثوليكية طوال اثني عشر قرناً، وكانت تتّهم بالكفر كلّ من يشكّك في هذه النظريّة التي تتنافى، بحسب رأيها، مع ما جاء في الكتاب المقدّس. كوبرنيكوس أحد الذين ساهموا في نقل أوروبا من عصر الظلام إلى عصر النهضة. وأطروحات هذا الأخير لم ينحصر تأثيرها في الفلك، بل تجاوزه ليمسّ السياسة والفلسفة والدين والثقافة الإنسانيّة بصورة عامّة.
توقّف أركون عند هذه التحوّلات الفكريّة والعلميّة وعاينَ المتغيّرات السياسية والاجتماعية مدقّقاً في أسبابها الذاتيّة والموضوعية. وإذ توقّف عند بعض المحطّات التاريخيّة في العالم العربي، لاحظ الجمود الذي وقعت فيه هذه المنطقة مع ما رافقه من تخلّف وفقر وفشل في التنمية وحروب أهليّة، ودرس الظروف التاريخيّة التي دفعت إلى مناهضة الفكر النقدي في العالم العربي منذ القرن الثالث عشر، والأثر الذي تركته مرحلة الاستعمار والمرحلة اللاحقة منذ أن نالت الدول العربيّة استقلالها.
لقد لاحظ أركون كيف حوّلت الأنظمة العربيّة مجتمعاتها إلى سجون وقمعت الفكر وحرّية التعبير بدلاً من تحديث الوعي وتطويره، ممّا ساعد على إعادة تلك المجتمعات إلى الوراء وإخراجها من الأزمنة الحديثة، فضلاً عن أنّ المشاكل المعرفيّة التي يطرحها التراث الإسلامي ظلّت في منأى عن أيّ تحليل نقدي وتفحُّص علمي، ما فتح الباب على مصراعيه أمام تسونامي التشدُّد والتطرّف والتعصّب الأعمى.
حمّل أركون أنظمة ما بعد الاستقلال مسؤولية التحجّر الفكري لأنها اعتمدت على أنساق تربوية وتعليمية لم تولِ اهتماماً بالمعرفة والثقافة، وبالحداثة المتحرّكة المبدعة، بل رسّخت الفكر الماضوي السلفي، وراحت تشجّع التعليم التقليدي على طريقة القرون السالفة، كأنها تردّ بذلك على "الغرب الكافر وتأثيراته الهدّامة". لذلك منعت تدريس الفكر والفلسفة والتاريخ والعلوم الإنسانيّة وخصوصاً الأنتروبولوجيا باعتبارها علوماً استعماريّة. وخلص أركون إلى القول إنّنا، وفق هذه النهج، "لم نعد نستطيع التفكير في أيّ شيء، لا في الدين ولا في السياسة ولا في المشاكل الفعليّة المطروحة علينا. كلّ شيء مسموح التفكير فيه ما عدا الشيء الأساسي الذي ينبغي التفكير فيه. وهكذا تَحرَّرنا سياسياً من الاستعمار الخارجي، لكنّنا لم نتحرّر فكرياً من الاستعمار الداخلي، أي من الجهل والأمّية والفهم الخاطئ للدين والمُعتقَد".
ظلّ محمّد أركون، حتّى اللحظة الأخيرة من حياته، يسعى إلى تقديم فهم أعمق للإسلام، وإلى حوار متكافئ بين العرب والمسلمين من جهة، والغرب، وخصوصاً فرنسا، من جهة ثانية. في هذا السياق، أشرف على كتاب ضخم (1200 صفحة) عنوانه "تاريخ الإسلام والمسلمين في فرنسا منذ القرون الوسطى حتّى أيّامنا هذه". صدر هذا الكتاب عن دار "ألبين ميشال" الباريسيّة العام 2006، وشارك في صياغته سبعون مؤرّخاً وباحثاً، من بينهم هنري لورانس وبنجامين ستورا، وهو كتاب يساعد على فهم نقاط التلاقي والاختلاف بين الإسلام وأوروبا، كما يتصدّى للأفكار المسبقة التي تناولت الإسلام منذ ثلاثة عشر قرناً. وهذه القرون من العلاقات بين فرنسا والمجتمعات الإسلاميّة استندت غالباً إلى قراءات يتداخل فيها التاريخ والأسطورة، الواقع والمتخيّل. غير أنّ هذا الكتاب الجامع، كما مؤلّفات محمّد أركون بأكملها، ينطوي على دعوة ملحّة إلى تأريخ جديد ينطلق من وعي نقدي للتخلّص من الصور النمطيّة في ما يتعلّق بالعالم الإسلامي وفرنسا والغرب.