رفيق خوري

حكومة"قوتين": المعطوبية والتعطيل

22 أيلول 2021

02 : 00

ليس من المفاجآت أن تكبر أوهام القوة لدى أصحاب الحكومة في لبنان الضعيف الفاقد للسيادة براً وبحراً وجواً. ولا خارج المألوف أن ترافق حكومة الرئيس نجيب مقاتي قراءات سريعة في المشهد على رقعة الشرق الأوسط، بما يوحي أن متغيرات جيوسياسية هي التي سمحت بولادة الحكومة. وهي حسب القراءات الشائعة متغيرات في الصراع بين أميركا الراغبة في الإنسحاب من المنطقة بعد الإنسحاب من أفغانستان وبين إيران التي تتقدم على الخرائط العربية، وسط اللعبة الكبيرة على القمة بين أميركا والصين وروسيا والبحث الفرنسي عن دور.

ومن المبكر بالطبع إدراك هذه المتغيرات، وخصوصاً عند الإكتفاء برؤية المظاهر من دون معرفة ما وراءها. ولا أحد يجهل أن الثقة النيابية التي نالتها الحكومة هي رخصة للعمل. أما العمل، مهما تكن النيات والرغبات داخل الحكومة وخارجها، فإنه يحتاج الى ثلاثة أنواع أخرى من الثقة: ثقة اللبنانيين المنكوبين المنهوبين. ثقة الأشقاء العرب الغاضبين الصامتين. وثقة الأصدقاء الدوليين المنتظرين العمل الإصلاحي. وأما ما جاء بالحكومة في الواقع، فإنه قوتان: "قوة المعطوبية" أو ما سمتها برين براون "قوة القابلية للغضب"، و"قوة التعطيل". كيف؟

"قوة المعطوبية" هي خوف الكبار من الإنهيار الكامل للبلد ووقوعه في أيدي الخصوم والمنافسين وحتى المرشحين للتفاهم. وهذا ما حدث وسط رهانات متضاربة على الإنهيار. رهان قوى على ما سماه قديماً جوزف شوبيتر "التدمير الخلاّق" وما سماها المحافظون الجدد "الفوضى الخلاقة"، من أجل بناء بلد أفضل. ورهان قوى أخرى على الإنهيار من أجل الإمساك الكامل به وتغيير المجتمع والسلطة وجوهر البلد. أصحاب الرهان الأول إكتشفوا أن الإنهيار يعني نهاية قدرتهم على فعل أي شيء، فلا بناء بلد أفضل ولا حتى إقامة البلد القديم من الموت. وأصحاب الرهان الثاني أدركوا أن الإنهيار الكامل يجرفهم هم أيضاً، فلا مجال لأن يسقط بلد وتبقى المافيا الحاكمة والمتحكمة به. و"قوة التعطيل" هي إصرار العهد و"حزب الله" على إستنزاف الوقت والأشخاص والبلد لفرض الحكومة التي يريدانها لتحقيق حسابات محلية وإقليمية، حيث "حزب الله" يدعم الرئاسة ومطالبها، والرئاسة تغطي "الحزب" وسلاحه ومشاركته في حرب سوريا، ورئاسة الحكومة تضيف نوعاً من الغطاء السني بعد الغطاء الماروني.

وهذا عملياً هو ما قاد الى الصورة الواضحة في المشهد من التغيير، أي الضوء الأخضر لتأليف الحكومة. والباقي يتوقف على ما تسمح المافيا للحكومة بفعله في مجال الإصلاحات والتحقيق الجنائي وتحقيق العدالة في جريمة المرفأ الرهيبة. فما حدث حتى الآن، حسب بلومبيرغ، هو "فسحة للتنفس"، لكن "أزمة لبنان الوجودية لم تطوَ بعد".

وأكثر ما ينطبق على كرنفال جلسة الثقة هو المثل الفرنسي القائل: "لا شيء يقتل أكثر من السخافة".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.