صادفَ هذا الأسبوع الاحتفال باليوم العالمي للترجمة، وكانت مناسبة للعودة إلى واقع الترجمة في العالم العربي والتحدّيات التي تواجه هذا الحقل بما هو "بارومتر" لمدى الإصغاء إلى ما يجري في الثقافات الأخرى والتفاعل معها والحضور في قلب العصر.
"الترجمة لغة أوروبا"، يقول الكاتب الإيطالي أومبرتو إيكو. وهذا يعني أنّ اللغة الواحدة لغات. إنها جسر تتقاطع وتلتقي فيه ثقافات وحساسيات متنوّعة. فاللغة ليست مجرّد وعاء، وليست أداة تعبير وتَواصُل فحسب، إنّما هي أيضاً طريقة تفكير. وهي مرآة لتقدُّم مجتمع ما أو تخلّفه. فما حال الترجمة في العالم العربي اليوم؟ وكيف يتمّ التعاطي معها بشكل عامّ؟
لا يُطرح التّحدّي في هذا المجال على مستوى الكمّ فقط (ومن المعروف أنّ نسبة التّرجمة في العالم العربي واحدة من الأكثر تدنّياً في العالم، وهذا ما ترصده إحصاءات منظّمة اليونسكو وتقاريرها)، بل على مستوى النّوع أيضاً. بعض دُور النشر والمترجمين يجيزون لأنفسهم التدخّل في النصوص وممارسة دور الرقيب فيحذفون ما لا يتناسب مع الفكر السائد، سياسياً ودينياً.
الجميع يعرف كيف، وفي أيّ طريقة، نُقلت إلى العربيّة كُتب ومراجع أساسيّة في الثّقافة الحديثة، وكيف أُسقِطَت مقاطع منها بحجّة هذه الحساسيّة أو ذاك الاعتبار. كيف نستطيع، والحال هذه - وإن تمكّنّا من ضبط عمليّة التّرجمة، قواعدَ ومصطلحات وأدوات - أن نترجم نتاجات ساهمت في إدخال الغرب العصور الحديثة؟ كيف لنا أن نترجم الفكر النّقديّ العلميّ والعقلانيّ، إذا لم تكن ثمّة مؤسّسات ثقافيّة تشجّع على هذا المشروع، وإذا لم يكن ثمّة قانون مدنيّ يحمي الكتّاب والمترجمين على السّواء؟ وهل يمكن أن تعيش ثقافةٌ وتبدع وتتقدّم وتحاور الآخر في ظلّ الخوف؟
من جانب آخر، نلاحظ أنّ نسبة كبيرة من الترجمات لا تعتمد على اللغة الأصليّة للنصّ، وهذا ما يُفقد النصوص، خصوصاً الشعر، الكثير من بريقها. النّصّ الأصليّ هو الأساسيّ وكلمة السرّ كامنة فيه. التّعامل معه، لا مع المترجَم عنه، هو الرّكيزة الأساسيّة، وهو الّذي يتفرّع ويتعدّد عبر التّرجمة. وهناك اليوم من يلجأ إلى نظام الترجمة المتداول في "غوغل" كمتّكأ للعمل، من دون الانتباه إلى الجانب الآلي فيه، وإن وجدَ المترجم مرادفاً للكلمة التي يبحث عنها فهي كالكلمات الموجودة في القواميس لا يستقيم معناها ومفهومها خارج وضعها في سياقها العامّ.
تقتضي التّرجمة الفعليّة معرفة الخصائص الثّقافيّة للُغتَين ولمدارَين ألسنيَّين. كما تقتضي إيجاد مصطلحات ومُعادل لكلمات لا تقدّمهما القواميس في العادة. إضافة إلى أنّ القسم الأكبر من القواميس العربيّة التي نستعملها يومياً لا علاقة له بالقواميس الحديثة المُصاغة وفق معايير موضوعيّة.
تستدعي الترجمة أيضاً معارف تتعدّى اللّغة، وهذا المبدأ ينطبق على التّرجمة في صورة عامّة. لا يستطيع أن يترجم الأدب من ليست له معرفة بالأدب، ولا يستطيع أن يترجم الفكر والفلسفة والعلوم إلّا المهتمّون بقضايا الفكر والفلسفة والعلوم. والتّرجمة، في هذا المعنى، علم وتخصُّص. وإن وُجدَ التّخصُّص، فإنّ مسألة إيجاد حلول مقنعة للمصطلحات والمفاهيم تبقى عالقة، خصوصاً إذا كانت هذه المصطلحات والمفاهيم جديدة بالنّسبة إلى اللّغة المترجَم إليها.
بعض ترجمات النصوص الكبرى تركت بصماتها من زمن إلى آخر، وتركت أثرها على اللّغة مثلما فعلت روائع عرفها تاريخ الأدب العالميّ، من "الكوميديا الإلهيّة" لدانتي، إلى "دونكيخوته" لثربانتس. وكذلك ترجمة التّوراة في ألمانيا والأثر الّذي تركته على اللّغة الألمانيّة، أو التّرجمة العربيّة للتّوراة أيضاً في القرن التّاسع عشر وتطلُّعها إلى تحديث اللّغة العربيّة. هكذا تتعدّد النّصوص الكبيرة المهمّة بتعدّد قراءاتها وترجماتها.
إذا كانت التّرجمة مَعبراً للثّقافات والمعارف، ومرآة العالم المتعدّد اللّغات، ومنطلق الحوار والتّفاعل، كما نتمنّى أن تكون، فإنّ مرآة العالم العربيّ اليوم مشوَّشة حتّى لا نقول معطّلة في القسم الأكبر منها. وهذا ما يدفع إلى التّساؤل: كيف نكون في العصر الحديث، وكيف نرصد تحوّلاته الكبرى عبر المرآة المشوَّشة لترجماتنا؟