لم تصبح العبوديّة بَعدُ تاريخاً محفوظاً في المتاحف والكُتب فحسب، فهي لا تزال تاريخاً حيّاً متواصلاً من زمن إلى آخر. بعض علماء الاجتماع يعتبرون أنّ الإنسان القديم بنى السجون قبل أن يبني حظائر الحيوانات. الأَسْر والتعذيب لغة قديمة. واستغلال الإنسان للإنسان عبر العصور، وصولاً إلى يومنا هذا، تطبع تاريخ البشريّة جمعاء كما كانت جلود "العبيد" تُدمَغ بالحديد والنار، وتُباع كبضاعة داخل البلد الواحد، أو تُتقل من بلد إلى آخر ومن قارّة إلى أُخرى. وهذا ما دفع الكاتب مارك رولندز، أستاذ الفلسفة في جامعة ميامي والمعروف بدراسته العلاقة بين "الحيوانات البشريّة والحيوانات غير البشريّة"، إلى القول إنّ "الحضارة هي حصن أَقامته الإنسانيّة ضدّ نفسها".
مجلّة "التاريخ" الفرنسيّة أصدرت مؤخّراً عدداً خاصّاً عن العبوديّة كما تمثّلت منذ خمسة آلاف سنة، ورصدت ما توصّلت إليه البحوث العلميّة في فرنسا حول هذا الموضوع منذ القرار الذي اتّخذته الحكومة الفرنسيّة في العام 2001 والذي يُقرّ بأنّ الاتجار بالبشر والعبوديّة جريمة ضدّ الإنسانيّة. دقّقت المجلّة أيضاً في أنظمة العبوديّة المختلفة في العالم منذ العصر الحجري الحديث، مع نشوء مجتمعات لا تعرف المساواة، وطاوَلت أسرى الحرب انطلاقاً من اعتبارات إتنيّة ودينيّة. وكانت أثينا أوّل من شقّ الطريق نحو الديموقراطيّة وأنشأت مجتمعاً من العبيد في الوقت نفسه. هذا التاريخ لا يتوقّف عند حدّ، شرقاً وغرباً. من مصر القديمة إلى روما حيث كان "السيّد" يضرب "العبد" حتّى الموت - كما اللجوء دائماً إلى التعذيب في سجون أنظمة الاستبداد - إلى الإمبراطوريّة الإسلاميّة، إلى تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي طوال 350 عاماً والتي أدّت إلى ترحيل أكثر من 12 مليون فرد من أفريقيا إلى المزارع البرتغاليّة والفرنسيّة والإنكليزيّة في الأميركيتَين. لقد اقتُلع هؤلاء اقتلاعاً من بيئتهم، وأُبعدوا بالقوّة عن أهلهم، وجيءَ بهم بعدما تقلّص عدد الهنود الحمر الذين تعرّضوا لمجازر ودمَّرت السلطة الأوروبية حضاراتهم بسرعة عجيبة واستعبدتهم هم أيضاً فوق أرضهم. كان هدف تلك السلطة ليس الوصول فقط إلى الذهب واستغلال الأراضي ومواردها وثرواتها، بل أيضاً اجتثاث تاريخ تلك البلاد وإلغاء فكرها ومعتقداتها ولغاتها وفنونها وأساطيرها وتنظيمها الاجتماعي كلّه.
تقتضي الإشارة إلى أنّ الفرق بين عدد الذين شُحنوا من أفريقيا وعدد الذين وصل منهم إلى أميركا كان كبيراً، ذلك أنّ نسبة الوفيّات كانت مرتفعة، بسبب سوء المعاملة والأمراض التي فتكت بهم أثناء الرحلة الطويلة، ولا مكان للمرضى على متن السفن الماخرة عباب المحيط الأطلسي والمزوّدة بالسلاسل الحديد. غير أنّ الخسارة هنا كانت محسوبة مسبقاً، وكانت تُعتبر في القرن الثامن عشر، أمراً طبيعياً إذا ما تراوحت بين 15 و20 في المئة من "الحمولة البشريّة".
لم يتوقّف الاتجار بالأشخاص يوماً، ولا انتهاك حقوق الإنسان، مع كلّ المساعي المبذولة في مناهضة هذه الظاهرة التي تدرّ سنوياً قرابة 150 مليار دولار، وتزيد من تفاقم الفساد والهجرة غير الشرعيّة والإرهاب. مشكلة الاتجار هذه تحرّكها القوّة نفسها التي تقف وراء عولمة الأسواق وسياسة العرض والطلب، ولا تعنيها إلاّ المردوديّة المادّية. لقد انتهت العبوديّة في صيغتها القديمة وانتهى استعمار القارّة الأفريقيّة، لكن ثمّة أشكال أخرى من الإخضاع والاستتباع. تشير بعض الدراسات إلى أنّ هناك أكثر من 40 مليون شخص يعانون اليوم من أقصى حالات العبوديّة المعاصرة ومعظمهم من النساء والأطفال، سواء في تشغيلهم أو في استعبادهم جنسياً، إضافة إلى النساء اللواتي يخضعن لكلّ أشكال التمييز والإذلال والانتهاك اليومي وكذلك الختان الذي هو الشكل الأكثر تطرُّفاً لتشويه الأعضاء التناسليّة الأنثويّة، بسبب أفكار ومعتقدات وتقاليد بائدة.
لكن، ولأوّل مرّة في التاريخ، يتزايد عدد المنظّمات المدنيّة والجمعيّات المناهضة للاستغلال والعبوديّة، إلى جانب هيئات معاهدات حقوق الإنسان، كما تتضاعف الأصوات المرتفعة في مناطق كثيرة من العالم ضدّ الظلم والقهر، مع الدعوة إلى سنّ قوانين جديدة أكثر عدلاً وإنسانيّة. إنها معركة الحرّيّة ضدّ العبوديّة. حرّيّة التفكير والتعبير واحترام الاختلاف، وأيضاً حرّيّة الحبّ. من الماضي إلى الحاضر. من ابن رشد الذي انتصر للحرّية إلى فيكتور هوغو ومارتن لوثر كينغ ونيلسون مانديلا، إلى جميع الذين دفعوا حياتهم بسبب أفكارهم، وما أكثرهم في العالم العربي والإسلامي، ماضياً وحاضراً. الحرّيّة ضدّ المبشّرين بالرأي الواحد المستبدّ، وضدّ الفاشيّة الجديدة التي لا تملك إلاّ لغة واحدة هي القتل، قتل من يرفض الانضواء إلى القطيع والقبول بعبوديّته كأنّها قَدَره الوحيد.