جاكلين فيلدشير

ليتوانيا... مقرّ القاعدة العسكرية الأميركية المقبلة في أوروبا؟

20 تشرين الأول 2021

المصدر: Defense One

02 : 01

وجد الجنود الأميركيون مكاناً مريحاً لهم في ليتوانيا. في هذه القاعدة البعيدة التي فتحت أبوابها في شهر آب وأصبحت الآن معقلاً موقتاً لمئات الجنود الأميركيين، يستعرض المسؤولون الحكوميون بكل حماس المنشأة الجديدة التي كلّفت 7 ملايين يورو وتشمل نادياً رياضياً مليئاً بأجهزة المشي الحديثة والأثقال وملاعب كرة السلة، وقاعة يستطيع فيها الجنود الاستمتاع بألعاب الفيديو.

بالنسبة إلى العاصمة فيلنيوس، لا تهدف وسائل الراحة هذه إلى تكريم الضيوف بكل بساطة، بل إنها ترمي إلى تشجيع واشنطن على تحويل انتشارها العسكري الموقت هناك إلى إقامة دائمة وردع القوات الروسية التي تنتشر وتجري تدريبات متكررة في بيلاروسيا على بُعد أقل من 10 أميال.

لكن في واشنطن، لم تعلن إدارة بايدن أو أي مسؤولين عسكريين عن تفكيرهم جدّياً بإبقاء قاعدة دائمة للقوات الأميركية في ليتوانيا. حتى أن المسؤولين في البيت الأبيض رفضوا التعليق على هذا الموضوع. شَكَر المتحدث باسم البنتاغون ليتوانيا على جهودها، لكنه لم يذكر شيئاً عن تأثير وسائل الراحة والخطط الرامية إلى تحسين منشآت التدريب في تلك الدولة الحليفة في منطقة البلطيق، بل اعترف بأنه يدرك حساسية الخطوة المرتبطة بتوسيع الوجود العسكري على عتبة روسيا دبلوماسياً وسياسياً.

اتخذت ليتوانيا حديثاً خطوات مالية ودبلوماسية لاستمالة شريكتها الأميركية. تصدّى هذا البلد للصين بكل قوة مثلاً. في شهر نيسان الماضي، عَقَد السياسيون المحليون جلسة استماع حول انتهاكات الصين لحقوق الإنسان في "شينجيانغ" وصوّتوا في أيار على قرار يدين رسمياً الإبادة الجماعية التي ارتكبتها بكين ضد أقلية الإيغور العرقية في غرب الصين. وفي شهر آب، أثارت فيلنيوس غضب بكين حين سمحت لتايوان بفتح مكتب يحمل اسمها. استدعى المسؤولون الصينيون سفيرهم في ليتوانيا وهددوا بعواقب محتملة أخرى إذا بقي ذلك المكتب مفتوحاً. كذلك، شددت ليتوانيا على دعمها للديمقراطية، فاعترفت بحركة المعارضة المنادية بالديمقراطية في بيلاروسيا المجاورة.

على المستوى العسكري، زادت ليتوانيا حجم إنفاقها على الدفاع بأكثر من ثلاثة أضعاف منذ العام 2014، بعدما ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم في أوكرانيا. كما أنها التزمت بعتبة الإنفاق التي طلبها حلف الناتو منذ العام 2018 (2% من الناتج المحلي الإجمالي)، وينوي البلد أيضاً زيادة ميزانية الدفاع إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2030، وفق تقرير من إعداد مسؤولين ليتوانيين حول الوجود الأميركي في ليتوانيا. وخلال السنوات الخمس المقبلة، تنوي ليتوانيا إنفاق أكثر من 500 مليون دولار على معدات أميركية الصنع.

في غضون ذلك، بدأت ليتوانيا تستثمر في منشآت يمكن أن تستعملها القوات الأميركية، مثل "معسكر هيركوس". يُخطط البلد أيضاً لإنفاق حوالى 250 مليون يورو بين العامين 2017 و2025 على بنية تحتية تستطيع القوات الأميركية استعمالها، بما في ذلك موانئ شحن، ومنشآت تدريب، ومساكن، ومساحات ترفيهية، ووسائل نقل أخرى.

يقول روبرت غيلكريست، السفير الأميركي في ليتوانيا، من مقر إقامته في فيلنيوس: "لقد قدّمت لنا ليتوانيا دعماً هائلاً كدولة مضيفة. في الواقع، نحن نقوم بمهام كثيرة مع الليتوانيين لدرجة أن تنتشر القوات ميدانياً طوال الوقت هنا، وتربطنا علاقة وثيقة على مستويات مختلفة وأعرف أنها ستستمر".

لكن هل ستكون هذه المبــادرات كلها كافية؟

قد يسمح النادي الرياضي الجديد في "معسكر هيركوس" بزيادة متعة الحياة للجنود الأميركيين، لكن لن تصبح القوات الأميركية جاهزة للقتال من دون مجموعة أخرى من الاستثمارات الأساسية في منشآت التدريب العسكري.

يقول بن هودجز، قائد سابق برتبة ثلاث نجوم في الجيش الأميركي في أوروبا: "لن يخاف أعداء بلدنا من لاعبي كرة السلة. لا تتعلق المسألة الأساسية بالمواقع العسكرية ونشر العناصر فيها. يسهل أن يلاحظ الروس ما يحصل فوراً إذا اكتفى الناس بالتجول في المنطقة".

على صعيد آخر، تُعتبر مناطق التدريب في ليتوانيا صغيرة نسبياً مقارنةً بالمعايير الأميركية، ويرتفع الطلب عليها من الجنود الأميركيين والليتوانيين وقوات دول أخرى في حلف الناتو. بغض النظر عن تغيّر الموقف الأميركي من هذا الموضوع، لا بد من تحسين جوانب عدة.

يقول جون ديني، أستاذ في الكلية الحربية للجيش الأميركي: "تتعدد التحديات المطروحة على مستوى الخطط الاستراتيجية والعمليات وحتى الخدمات لتوسيع نطاق الوجود العسكري. مع ذلك، يجب أن نتخذ هذه الخطوة برأيي".

في غضون ذلك، أصبحت حرب المعلومات الروسية ضد ليتوانيا قيد التنفيذ، وقد تستفيد القوات الأميركية من تكثيف تدريباتها مع الحلفاء هناك. يوضح ديني: "تخضع قوات الناتو في هذا المكان لحملات معلوماتية متواصلة تديرها موسكو. لهذا السبب، أظن أن تنفيذ العمليات في تلك البيئة سيفيد القوات الأميركية. ينطبق الأمر نفسه على العالم الإلكتروني والسيبراني. يصعب العمل في هذه الأماكن".

كذلك، يجب أن يراعي أي قرار تتخذه إدارة بايدن حول نشر القوات الأميركية التكاليف المترتبة على دافعي الضرائب. سيكون الانتشار العسكري بالتناوب أعلى كلفة بقليل من أي وجود عسكري دائم.

لكن يترافق الانتشار بالتناوب مع منافعه الخاصة أيضاً برأي بول غودسون، قائد الكتيبة الأميركية في ليتوانيا. حين تتناوب القوات العسكرية في شرق أوروبا، ستضطر لتأمين الخدمات اللوجستية، مثل تمرير المعدات عبر الموانئ والتنقل بين سكك قطارات بأحجام مختلفة في غرب أوروبا وشرقها. ويجب أن تتجاوب جميع القوات العسكرية سريعاً في حال اندلاع أي صراع.

يضيف غودسون: "قد نتمكن من إقناع المعنيين بأننا قد نخسر جزءاً من المرونة بقدر الجيش الأميركي إذا قررت الولايات المتحدة جعل مقرّها في ليتوانيا دائماً. هذا العامل هو جزء مهم من كل ما نفعله لأننا سنعجز عن القتال إذا كنا لا نستطيع التحرك. لذا أظن أننا سنستفيد حتماً من تلك المرونة ومن الحفاظ عليها".

طالب المسؤولون في لاتفيا وإستونيا بدورهم بتوسيع الوجود الأميركي أو انتشار حلف الناتو. لذا يظن بن هودجز أن إرسال جنود إضافيين إلى ليتوانيا قد يجبر الولايات المتحدة على تفسير السبب الذي جعلها تستكمل المهمة في فيلنيوس أمام حلفائها في البلطيق.



قوّات أميركية في ليتوانيا


تحديات دبلوماسية

من ناحية أخرى، قد يتعارض إبقاء القوات العسكرية بشكلٍ دائم في ليتوانيا مع القانون التأسيسي بين الناتو وروسيا من العام 1997. ينصّ هذا الاتفاق على امتناع حلف الناتو عن نشر أي قوات قتالية كبرى ودائمة على طول الحدود مع روسيا في ظل البيئة الأمنية الراهنة والمنظورة. في المقابل، التزمت روسيا باحترام حدود الدول التي كانت جزءاً من إمبراطوريتها في شرق أوروبا. لكن تترك هذه الكلمات مجالاً واسعاً للتأويل. لا أحد يعرف مثلاً عدد القوات العسكرية أو نوع المعدات التي تشير إلى بصمة عسكرية "كبرى". ويدرك بعض الخبراء أيضاً أن البيئة الأمنية اليوم تختلف كثيراً عما كانت عليه عند توقيع الاتفاق منذ ربع قرن.

يضيف هودجز: "ألغت روسيا جميع بنود الاتفاق حين غزت أوكرانيا. لو كنا متواجدين في محكمة، كان القاضي ليؤكد على أن روسيا غيّرت البيئة الأمنية كلها، ما يعني أننا لم نعد مُلزَمين بالاتفاق".

مع ذلك، يظن بعض أعضاء حلف الناتو، على رأسهم ألمانيا، أن التحالف يجب أن يحافظ على مستوى أخلاقي مرتفع ويتمسك بجوهر الاتفاق رغم تبدّل الظروف.

يظن هودجز أن فرنسا وهولندا قد تعتبران أي شكل من الوجود العسكري الدائم "خطوة استفزازية جداً"، وأن إدارة بايدن ستضطر لبذل جهود دبلوماسية مكثفة للحصول على دعم الحلفاء.

كذلك، من المتوقع أن تقرر روسيا توسيع وجودها العسكري كخطوة تصعيدية من جانبها. لكن بدأت موسكو تعتبر نشر الجنود بالتناوب في البلطيق دليلاً على عدائية حلف الناتو أصلاً.

يوضح بيوتر سيمانسكي، باحث في البرنامج الأمني الإقليمي في "مركز الدراسات الشرقية" في بولندا: "على مستوى الحملات الدعائية، يستعمل الروس هذا الانتشار الجزئي في مطلق الأحوال للتأكيد على تعرّض روسيا للحصار من جانب الناتو وعلى طابع الحلف العدائي وإصراره على نشر جنوده في محيط الحدود الروسية. لكن يشير الواقع العسكري إلى عدم تبدّل المعادلة الاستراتيجية بسبب هذه الكتيبة أو القوات المنتشرة بالتناوب... بل تستغل روسيا هذا الحدث بكل بساطة لإضعاف الناتو وتشويه صورته أمام الشعب الروسي تحديداً".

أخيراً، يظن المسؤولون في ليتوانيا أن نشر القوات العسكرية بشكلٍ دائم في المنطقة سيؤدي إلى إخماد الاضطرابات مع روسيا لأن هذه الخطوة تقوي نظام الردع، وتستطيع الولايات المتحدة أن تقدم الحماية بطريقة يعجز عنها جميع الحلفاء الآخرين.

قال السفير الأميركي روبرت غيلكريست إن رؤية ليتوانيا أصبحت واضحة وصريحة على الأقل: "من الواضح أن الليتوانيين يعتبرون علاقتهم الأمنية مع واشنطن أساسية للحفاظ على أمنهم. أظن أنهم يقدّرون قيمة علاقتهم مع الولايات المتحدة بشكلٍ خاص".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.