ريتا ابراهيم فريد

مشروع "الزروع" في البترون...نزوح عكسيّ وعودة إلى الجذور

28 تشرين الأول 2021

02 : 00

منزل يعود إلى أكثر من 200 عام في مشروع "الزروع"
بينما يزداد النزوح من الأرياف إلى المدن في الفترة الأخيرة، وفيما يسعى قسم كبير من الشباب اللبناني إلى الهجرة، اختارت الشابة جيسيكا حكيّم أن تقوم بنزوح عكسيّ. فتركت المدينة حيث كانت تعمل في المحاسبة، وعادت الى قريتها عرطز في البترون، حيث أطلقت مشروعاً يحمل إسم "الزروع"، يقدّم منتوجات زراعيّة عضويّة مئة في المئة. جيسيكا التي تمضي أوقاتها في مزرعة صغيرة إلى جانب قنّ لتربية الدجاج، تحدّثت لـ"نداء الوطن" عن مشروعها الذي يحمل رسالة إجتماعيّة وبيئيّة، وعن قرارها بالبقاء والصمود في هذه الأرض.

كيف اتخذتِ قرارك بمغادرة المدينة والعودة الى القرية؟

بدلاً من أن أبحث عن عمل في الخارج في ظلّ هذه الأزمة الاقتصادية، قرّرتُ البحث عما يحتاجه هذا الوطن. ووجدتُ أنّ الحلّ يكمن في العودة الى الجذور ومحاولة تطوير الأرياف والقرى، أي النزوح العكسي، والتأسيس لوضع إقتصادي أفضل من خلال القطاع الزراعي. كما أني شخصياً أحبّ الزراعة منذ طفولتي، حين كانت جدّتي تصطحبنا معها الى الحقول. وهكذا عدتُ الى قريتي تحت هذا العنوان.

ما الذي يميّز مشروع "الزروع" وما الذي يقدّمه على الصعيد البيئي؟

أطلقتُ هذا الإسم عليه نسبة الى سيدة الزروع ورمزيّتها في مباركة الزرع. فأجدادنا كانوا يعتمدون على بركتها لمواردهم الزراعية وغلّاتهم، خصوصاً أنّ الزراعة كانت المورد الوحيد لمعيشتهم. هذا المشروع هو الأوّل من نوعه في منطقة الشمال، حيث أننا نعتمد على تقنية الزراعة العمودية من خلال المستوعبات أو "planters" المصنوعة من الـ"ecoboards"، أي الألواح المعاد تدويرها من البلاستيك. كما أنّ المشروع يخدم البيئة من خلال توفير المياه وإعادة التدوير. هذا وقد نجحتُ مع مجموعة من شباب قريتي في تأمين تمويل من أبناء القرية للاستحصال على مستوعبات مخصّصة للفرز، إضافة الى "composter" لتحويل النفايات العضوية الى سماد. فحوّلنا قريتنا الى صفر نفايات من خلال فرز المواد الصلبة والنفايات العضوية، بدلاً من تحويل النفايات الى المطامر أو المكبّات العشوائية.



جيسيكا حكيّم


كيف وجدتِ الإقبال في ظلّ الوضع الاقتصادي الصعب، وماذا عن الأسعار؟

هذا المشروع الذي أطلقتُه في قريتي الصغيرة الهادئة، نال أصداء كبيرة ومفاجئة، ولاقى دعماً كونه يلعب دوراً بيئياً وإجتماعياً، إضافة الى أن المنتوجات الزراعية طبيعية مئة في المئة. هذا وأحاول قدر المستطاع أن أراعي الأسعار نظراً للظروف التي نعيشها، كي يتمكّن الجميع من الحصول على المنتوجات العضوية.

"الزروع" كان حلماً يراودك منذ فترة. كيف استطعتِ تحويله الى حقيقة بالرغم من الظروف الصعبة؟

انطلقت الفكرة مع بداية ظواهر الأزمة في لبنان، ولم نكن ندرك حينها الى أين نحن ذاهبون. وبينما كنتُ بصدد تحويل فكرتي الى خطّة، كانت الأزمة قد بدأت تشتدّ، والانهيار الكبير فاق سيطرة اللبنانيين عليه. فمررتُ في مطبّات عدّة، حتى كدتُ أتوقّف عن تنفيذ المشروع. لكن بمباركة أمّنا العذراء، حصلتُ بالصدفة على فرصة لتسجيل طلب على منحة بريطانية. فقدّمتُ فكرة المشروع وتمّ قبول الطلب، فتحوّل هذا الحلم الى حقيقة.



تقنية الزراعة العموديّة من خلال الـ Ecoboards


ما هو الدافع الأساسي الذي منحكِ الأمل بأنّ المشروع سينجح؟

المشروع تحوّل الى قضية بالنسبة لي. قضية تحمل فوائد ورسائل إجتماعية عدة، فهو يخدم البيئة من خلال إعادة التدوير، كما أنّه يبرهن أننا نستطيع تأسيس مشاريع كبيرة في القرى، وبالتالي لا تقتصر فرص العمل على المدن. إضافة الى أنه يثبت أكثر دور المرأة في المجتمع وفي القطاع الزراعي بشكل خاص. فالزراعة ليست بالصّعوبة التي يتوهّمها البعض. والتقنيات الزراعية تطوّرت كثيراً في الفترة الأخيرة، ونحن قادرون على الحصول على أمننا الغذائي بطريقة سهلة.

كيف انتقلتِ بهذه السهولة من عالم المحاسبة الى عالم الزراعة؟

من الناحية النظرية، العالمان بعيدان عن بعضهما. لكن بعد تجربتي في الزراعة، اكتشفتُ أنّ المجال الزراعي يجب أن يكون قريباً من كلّ المجالات الأخرى، وأن يدخل في المناهج الدراسية. فعلينا جميعاً أن نتعلّم تقنيات الزراعة، وأن نؤمّن على الأقل أمننا الغذائي الذاتي كي نحافظ على أرضية اقتصاد سليم. برأيي أنّ السبب الأوّل للأزمة التي نعيشها هو إهمال السلطة للقطاع الزراعي، والتوجّه نحو الاقتصاد الهشّ والريعي بدلاً من استثمار هذه الأموال في الأراضي الزراعية.

لأي مدى تشعرين اليوم أنك تشبهين هذه الأرض؟

اكتشفتُ أنّ الأرض هي جزء مني وأنا جزء منها. فبقدر ما نهتمّ بها، بقدر ما سوف تدرّ علينا أضعاف ما نعطيها، ولا يمكن أن نفصل أنفسنا عنها. أعتبر أنّ الذي يقترب من الأرض يقترب من السماء، حيث يرى فيها نعمة الخالق الذي أعطانا كل هذه الخيرات. أشعر بالحزن حين أرى أنّ البعض لا يدرك قيمة الطبيعة ويحاول أذيّتها من أجل منفعة مادية سريعة. إذا أسأنا الى الطبيعة فنحن بالتالي نسيء الى أنفسنا. ربما لأنّنا لم نعتد العيش مع الأرض، وأنا من الذين نشأوا في المدينة، ولم أدرك أهمية الأرض إلا حين عشتُ معها.

من خلال تجربتك، ماذا تقولين للشبان والشابات الذين يشعرون أنهم فقدوا الأمل؟

بعيداً عن النظريات، أنا أيضاً مررتُ بنفق أسود وشعرتُ أنّ أحلامي تبخّرت وكدتُ أصل الى مرحلة من اليأس. لكن حين أقفل كل شيء في وجهي، اتّجهتُ فوراً نحو الصلاة، وتحديداً الى أمّنا العذراء. فكيف يمكن أن نشعر باليأس وربّنا رحوم ويدفق علينا بنعمه؟ علينا أن نبادر الى اتّخاذ الخطوة الأولى، والرب سيباركها ويفتح لنا مجالات أوسع. علينا اليوم أن نعيش في حالة ثورة بكلّ طاقاتنا، وخصوصاً ثورة العمل والفكر والسعي نحو تحسين ظروفنا.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.