عيسى مخلوف

أهل الضحايا هم أنفسهم في كلّ مكان وزمان!

4 دقائق للقراءة

كائناً من كان القتيل البريء، وأينما كان في هذا العالم، لا بدّ من النظر إليه نظرة إنسانيّة، في ما وراء الإتنيّات والمعتقدات والانتماءات. إسقاط هذه النظرة يجرّدنا من المعنى ويحيلنا إلى الجانب المتوحِّش في النفس البشريّة.

في الأيام والأسابيع الماضية، تابع القضاء الفرنسي محاكمة المتّهمين في اعتداءات الثالث عشر من تشرين الثاني 2015 التي أسفرت عن مقتل 130 شخصاً داخل مسرح "باتاكلان" وخارجه. في هذا المسرح بالذات كانت فرقة "روك" أميركيّة تقيم حفلاً أمام حشد كبير يتألّف في غالبيّته من الشابّات والشباب الذين جاؤوا لتمضية أمسية مع الموسيقى والغناء. وقد روى أحد الناجين وهو في الرابعة والعشرين من العمر: "رأيتُ أشخاصاً يتهاوون أمامي مثل حقل من القمح في الريح. التفتُّ ورأيتُ مسلّحَين يطلقان النار على كلّ من كان يتحرّك". ناجٍ آخر روى أنّه شاهد أحد المسلّحين وهو يضحك فيما يُطلق النار من رشّاشه الحربيّ. وثمّة ناجية ذكرت أنها اختبأت تحت جثّة أحد الشباب وقالت إنها تدين له بحياتها. كانت محصّلة حفلة الصيد البشري هذه تسعين قتيلاً تحوّلت معهم حلبة الرقص إلى بركة من الجثث والدماء. وحين صمت الرصاص بقيَ رنين الهواتف المحمولة يصدح في المكان. فقط الرنين الذي ينادي أشخاصاً لم يعد لهم وجود.

المحاكمة الراهنة التي اعتُبرت محاكمة القرن سلّطت الضوء من جديد على جروح عميقة لم تندمل. بعض الأهالي الذين وصلوا الى المحكمة ما زالوا يرتدون الملابس السوداء، ومنهم من تلا الكلمات التي سبق أن تلاها في المقبرة منذ ستة أعوام، وقد بدا أنّ الإحساس بالفقد حلّ محلّ الحياة نفسها، وأنَّ الوداع لم ينتهِ. لن ينتهي.

في هذه الجلسات المتتالية، أُعطيَ الكلام لمن بقي حيّاً من المشاركين في عمليات القتل، وللناجين وأهلهم والأقرباء. قال أحد الآباء عن ابنه إنّه خرج حيّاً من المسرح، لكنّه انتحر بعد سنتين من وقوع المجزرة بعد أن رأى الموت أمام عينيه. أضاف الأب: "لم يصب ابني برصاص في جسده، لكنّ رصاصات غير مرئيّة قتلته فتردّت صحّته النفسيّة وتضاعفت معاناته ولم يحتمل هَولَ ما رأى". معه اكتملَ عدد الضحايا.

هناك أمّهات وآباء حُرموا من أبنائهم، وهناك أبناء أصبحوا يتامى. "هناك أب يستمرّ في دفع اشتراك هاتف ابنته والاتصال بها بين وقت وآخر "ليسمع صوتها" على جهاز الردّ الآلي. وهناك أمّ، بعد أن رأت ابنها ملفوفاً بملاءة بيضاء في المشرحة، أزالت الأغطية البيضاء كلّها من المنزل".

في نهاية إحدى الجلسات المخصّصة لشهادات الأهالي، لاحظت إحدى أمّهات القتلى أنّ مجال الكراهية والانتقام كان ضئيلاً للغاية في بَوحهم. أنّ الحبّ في قلوبهم لم يمت، وكذلك التعقُّل والتضامن في ما بينهم. ولذلك اختصرت مشاعرها بالقول إنّ قاعة المحكمة أصبحت في تلك اللحظة، "البلاد التي ترغب أن تعيش فيها".

يقول الكاتب الروسي تولستوي الذي انتصرَ للسلام والأخوّة الإنسانيّة النقيّة، ضدّ الكراهية والقتل: "هناك خطوة واحدة تفصل بين قتل الحيوان وقتل الإنسان". نعم، هناك خطوة واحدة يمكن اجتيازها بسهولة في غياب العقل واليقظة والحذر ! وإذا كان فعلُ القتل، في حدّ ذاته، شيئاً مُرعباً، وإن كان دفاعاً عن النفس، فكيف إذا كان يستهدف الأبرياء؟ الهدف من استهداف الأبرياء، هنا وفي كلّ مكان، هو زيادة منسوب الهلع عند الناس واستعمال الخوف كسلاح لكسر إرادة الإنسان، وسلخه عن نفسه، وجعله حشَرة تتلطّى في الزوايا المظلمة. لذلك، لن تتحقّق إنسانيّة الإنسان ما لم يتصالح مع نفسه، ولن يتصالح مع نفسه إذا لم يحقّق العدالة والمساواة، وهذا شرط أساسي لتتوقّف دورة العنف التي طبعت تاريخ البشـــر عبر العصور.

لقد أخذتني شهادات الناجين وأقرباء الضحايا هنا إلى الظروف التي رافقت عمليّات القتل والخطف أثناء الحرب الأهليّة في لبنان، الحرب المتواصلة طالما أنّ أمراءها لا يزالون في السلطة ومعهم كمّيّة لا يُستهان بها من الأزلام المحنّطي الأدمغة، المتمسّكين بعبوديّتهم، المدجّجين بالجهل والغرائز السلبيّة. تمَحورَت أطروحتي الجامعيّة يومئذ حول الموت العنيف، وكنتُ جمعتُ قبل صياغتها عدداً كبيراً من الشهادات التي أدلى بها أهل الضحايا والمقرّبون منهم. وكم هي متقاربة تلك الشهادات مع ما يتناهى إلى سمعي في المحاكمة الجارية في فرنسا الآن... لا هويّة للألم، ولا حدود لفائض العنف والمأساة الناتجة عنه. كأَنَّ أهل الضحايا هم أنفسهم في كلّ مكان وزمان.