مايا الخوري

ميراي بجّاني: لمصارحة الأولاد عن الأسباب قبل الرحيل

7 دقائق للقراءة
لا يُتّخذ قرار بالرحيل عن الوطن الأمّ، المكان الذي نشأنا فيه، ما لم يبلغ اليأس ذروته، وما لم يبلغ مرحلةً لم يعد يمكن فيها الإستمرار والتعبير عن الطموح والشعور بالأمان. ويؤدّي الخيال واللاوعي دوراً مهمّاً في البحث عن المكان الذي نقصده، وهو الذي ننظر إليه بمثاليّة، على أنّه سيؤمّن لنا الإستقرار والأمان والمعيشة الكريمة. هكذا تحدّد المعالجة النفسيّة ميراي بجّاني قرار الهجرة.

يشهد لبنان هجرة كبيرة في الفترة الأخيرة بسبب ضيق الأفق وتغيير شكله السياسي والإقتصادي، فتدفع تلك المشكلات غالبية اللبنانيين إلى البحث عن موطن آخر خوفاً من هذا التغيير ومن إنسداد الآفاق، وبسبب الشعور بعدم القدرة على تحقيق الطموح. وتوضح بجّاني بأن "تلك المشكلات تسبّب قلقاً يعجز بعضهم عن مواجهته، كما مواجهة المخاوف من خسارة المكتسبات الأساسية في حياته الإجتماعية والمادية وغيرها، فينتج لديه شعور بعدم الأمان، يؤدي إلى الإنعزال والوحدة. عندها تضعف الأسس الجوهرية لدى الفرد وإحساسه بالإنتماء إلى المجموعة، فيرغب بالرحيل بحثاً عن آفاق جديدة وأماكن يحقق فيها أحلامه"، مضيفةً: "في ظلّ أوضاعٍ عامة مدمّرة للأحلام، يفكّر الشباب بالهجرة كحلٍّ، كونها أصبحت نافذة إلى العالم الآخر، علماً أنهم يدركون قساوتها، وصعوبة التخلي عن الوطن والسفر. وصعوبة ترك الأرض التي نشأوا فيها، والأسس التي تربّوا عليها، والتفاصيل الصغيرة التي إعتادوا عليها في حياتهم اليومية. ورغم أنهم سيواجهون إضطرابات نفسية معيّنة، كالقلق والمخاوف، إنما يبقى الأمل بتحقيق الأحلام ودعم عائلاتهم من الخارج، متوافراً، وذلك أفضل من بقائهم مكبّلين في الوطن فيما الحياة مستمرّة من حولهم".



تحدد شخصية الفرد صوابية القرار وماهية الطموحات والأولويات، وما إذا كان قادراً على تحمّل الصعوبات في بلده والأزمات والإستمرار فيه والنضال من أجل تحقيق طموحاته، أو يفضّل الرحيل بحثاً عن هدفٍ غير متوافر، وتأسيس آمال جديدة وتطلعات أخرى رغم قساوة الهجرة. وبرأي بجّاني "من يميل إلى الوحدة والعزلة يواجه صعوبات أكبر بكثير لجهة تقبّل الهجرة والتأقلم مع واقعها، الذي يخفف وطأتها ويحدّ من مضاعفاتها لفترة طويلة، لأن من شأن تلك المضاعفات، أن تنعكس شعوراً بعدم الإنتماء لأرضه أو للوطن الذي يهاجر إليه".

أمّا عن الإستعدادات الواجب إتخاذها قبل الرحيل، فتقول: "يجب التحضّر قبل 6 أشهر على الأقل قبل الإنتقال للعيش في بلد آخر. لأن الإعتياد على الأمور الروتينية الجديدة في وطن غريب يحتاج إلى وقتٍ، لن يكون قصيراً طبعاً، للتكيّف مع البيئة والإجراءات التي يجب الخضوع لها". فتنصح بإتقان اللغة أوّلاً كونها تساعد على فهم الأجواء التي يعيش فيها المهاجر والتعامل بسهولة أكبر مع الأشخاص هناك، ما يسهّل عملية الإستقرار. كما تدعو إلى إكتشاف البلد وخصوصياته عبر الإنترنت من خلال الإطلاع إلى صوره وعاداته وتقاليده، فيكتسب المهاجر معرفة في كيفية التصرّف هناك ما يخفف من وطأة الضغوط النفسية التي يمكن أن يشعر بها. ويمكن التواصل مع مغتربين أيضاً للمساعدة، فيصغي إلى خبراتهم ويتعلّم منها.

ترك الجذور كالإنفصال عن رحم الأم

يتفاعل كل مهاجر مع حياته الجديدة بطريقة مختلفة، إنطلاقاً من تجاربه الخاصة في الطفولة وعمره وجنسه وتحصيله العلمي والثقافي وطموحاته. وتختلف هجرة الطالب للتخصص الجامعي عن هجرة ربّ العائلة الذي يسعى لتأمين لقمة العيش، والذي يرافقه الشعور بالذنب والشوق والخوف والقلق تجاه عائلته. كما تختلف التحديات ما بين الهجرة الفردية والعائلية، إذ تتأثر الثانية بالأسباب التي دفعتها إلى الرحيل، وما إذا كانت تسافر قسراً، وما إذا كان أفرادها يتقبلون الموضوع بإيجابية أو سلبية. إلا أن الضغوطات أخفّ متى كانت الهجرة عائلية، لأن الروابط موجودة والعائلة مجتمعة، فيتقاسم الأفراد المسؤوليات والمهمات ويساندون بعضهم بعضاً، بحسب بجاني التي تضيف: "يسبّب الإستقرار في بلد جديد توتّراً نفسياً كبيراً لكل أفراد العائلة. إذ تشعر العائلات بالقلق والخوف والرهاب قبل مغادرتها الوطن، لأن ترك الجذور صعب، وهو يعني الإنفصال الكلي عن رحم الأم، وهذا شعور لا يستطيع أي إنسان تقبّله وإستيعابه. لذا يجب إجراء إستعداداتٍ معيّنة لتقبّل هذه الحياة الجديدة خصوصاً على الصعيد العائلي".

وتشدّد بجّاني على مسؤولية الأهل في وضع خطّة وأسسٍ محددة للسفر، فلا يكون قرار الهجرة العائلية سريعاً وإعتباطياً. وتقول: "يتوجّب على الوالدين تأمين المسكن والعمل قبل السفر، أو التواصل مع أشخاص هناك لتأمين عملٍ فور وصولهم. كما يجب توفير التأمين الصحّي والتواصل مع طبيب موثوق هناك من أجل مواكبة الأولاد. وتأمين المدرسة التي توفّر بيئة تربوية جيّدة ومناسبة لخلفيتهم الثقافية لئلا يتعرّضوا لمواقف عنصرية أو للتنمّر".


صدمة الهجرة أخف وطأة على الأولاد

وفي ما يتعلّق بإنعكاس الهجرة على الأولاد، تجيب: "أظهرت الدراسات النفسية أن الصدمة النفسية التي يتعرّضون لها أقل بكثير من صدمة الكبار، خصوصاً أنهم يتمتعون بإيجابيات أكثر، كما تقتصر بيئتهم المباشرة على أفراد العائلة ومحيطها. فضلاً عن ميلهم لتقليد الأهل وإستقبال الإنطباعات الإيجابية أكثر والتعلّم والتكيّف أسرع، ما يسهّل عملية مصارحتهم في موضوع الهجرة".

وتؤكّد بجّاني ضرورة مصارحة الأولاد بالأسباب الحقيقية لهجرة العائلة، وتفسير العوائق التي يتعرّضون لها في الوطن، وعن سبب إختيار البلد الذي يهاجرون اليه، وعن إنعكاسه الإيجابي على مصلحة العائلة وعلى تحسين أسلوب حياتها ووضعها المادي لتأمين ما تحتاج إليه وتحقيق أحلامها". وتضيف: "كلما صارح الأهل أولادهم بشفافية مناسبة لفئتهم العمرية، وتحدّثوا معهم عن الأسباب التي دفعت بهم إلى الهجرة وإيجابية هذا القرار، كلما ساهموا في تأقلمهم السريع وتقبّلهم الفكرة، فلا تكون الأمور صادمة بالنسبة إليهم. إلى ذلك، يمكن تعريفهم إلى البلد قبل الإنتقال إليه، مثل عرض صورٍ، عن طبيعته وشوارعه وتفاصيل الحياة فيه، فيتعرّفون إليه في خيالهم قبل التعرّف إليه في الواقع".

ورداً عن سؤال حول الإنعكاسات النفسية والإضطرابات التي يمكن أن تحدث لهم في بلاد الإغتراب، تقول: "قد يكوّن بعضهم إعتقادات خاصة لأنهم لم يساهموا في إتخاذ هذا القرار ولم يطلعوا بصورة عامة عن أسبابه. ورغم محاولة الأهل تفسير الأسباب بكل وضوح وصراحة، قد لا يتقبّلون الموضوع. إلى ذلك قد يشعر بعضهم بعدم الأمان بسبب غياب أناس إعتادوا وجودهم في محيطهم كالأصدقاء والأساتذة والأقارب، إضافة إلى أماكن وأشياء مثل المنزل والحديقة وتفاصيل أخرى دقيقة إعتادوا عليها في روتينهم اليومي، فافتقدوها". وتضيف: "نلاحظ عندها بعض الإضطرابات في تصرفاتهم مثل إرتباطهم المستجدّ بالأم، وتعلّقهم الكبير بها، لدرجة عدم مفارقتها للحظة. كما يعاني بعضهم أعراضاً كالخوف، مثل الخوف من الوحدة أو الرحيل، فيما ينعزل بعض آخر ويرفض الذهاب الى المدرسة ما يؤدي إلى صعوبات تعليمية. فضلاً عن شعور بعضهم بالإضطهاد من قبل الآخرين بسبب إختلافهم الثقافي والإجتماعي. لا يستطيع الأهل أحياناً مواكبة هذه الإضطرابات النفسية ومعالجتها بمفردهم، لذا من الضروري التدخل الخارجي للمساعدة".

وتدعو بجّاني إلى عدم تجنّب شعور الحزن الذي هو أساسي وطبيعي في هذه المرحلة. لذا تنصح الأهل بالإفساح في المجال أمام التعبير عنه بحرية لإستعادة الطاقة ورؤية كيفية الإنطلاق، عبر التخلّي عن الماضي الذي عاشوه في وطنهم والتفكير بالمستقبل. وتختم: "بعد مرور مرحلة الحزن عمّا خسره الفرد في وطنه، سينظر إلى المستقبل، من خلال البحث عمّا هو متوافر في هذا البلد الجديد، ليصبح الماضي قوة دافعة نحو الأمام وتتحوّل الذكريات إلى موجودات ثابتة. عندها يتحوّل المغترب إلى شخص جامعٍ ما بين ثقافتين، يستفيد منهما، ويصبح الهدوء جزءاً من حياته الجديدة".