رفيق خوري

إعادة تكوين السلطة وإعادة "تكوين لبنان"

3 دقائق للقراءة

القوى الدولية الخائفة على لبنان من الإنهيار الكامل ومضاعفاته على حساباتها الإقليمية، قدمت لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي مظلة ترفع عنه كأس الإستقالة. لكن الأرض تحت المظلة متحركة من قبل أن يقع زلزال الأزمة مع السعودية ودول الخليج. فلا فائدة من الوساطات مع الرياض ما دام لبنان الرسمي مرتبكاً ومنقسماً وعاجزاً عن التفاهم على موقف وطني يحمي المصلحة اللبنانية العليا و"يترسمل" به أي وسيط. ولا أسوأ من الفراغ سوى الحفاظ على الحكومة بمقايضة على حساب العدالة والحقيقة في إنفجار المرفأ.

والمأزق الذي ندور فيه أكبر من أزمة العلاقات مع السعودية والتي هي أكبر من قصة الحسابات والخسائر التجارية والإقتصادية. فكلما حاول الرئيس ميقاتي فتح باب لبدء البحث في حل إصطدم بكون الأزمة مطلوبة في الإطار الإستراتيجي، وإن كان الحل الموقت حاجة تكتيكية. وكلما أدرك حلفاء "حزب الله" أن حساباته أبعد من حساباتهم ورؤيته للمخاطر تختلف عن رؤيتهم، صدمهم واقع العجز عن التأثير في موقفه والخوف من الإفتراق عنه. والوقائع ناطقة: "حزب الله" يعرف تماماً الى أية أزمة يقود هجومه السياسي المستمر على المملكة ودعمه العسكري واللوجستي والإعلامي للحوثيين في قصفها بالصواريخ والمسيّرات. وقطع لبنان عن العرب والغرب هو هدف على الطريق الى تحقيق المشروع الإقليمي الإيراني الذي يعمل له "حزب الله".

ذلك أن لبنان الغارق في أزمات عميقة يواجه فوقها أزمة وجود ومصير. والخروج من هذه الأزمات عملية صعبة ومعقدة وطويلة، ومرتبطة بالصورة التي تتبلور للمنطقة في المتغيرات والصراعات والصفقات الإقليمية والدولية. وإذا كانت الخيارات محدودة، إن لم تكن مغلقة، فإن الرهانات مفتوحة. وأبرز الرهانات إثنان متناقضان: رهان على إعادة تكوين السلطة بقوة الصوت الشعبي في الإنتخابات عام2022، وقوة الدعم العربي والدولي والحاجة الى إصلاحات للحصول على المساعدات. ورهان على إعادة "تكوين لبنان" بقوة الديموغرافيا وتمدد "محور الممانعة" من إيران الى اليمن والعراق وسوريا ولبنان.

منطق الرهان الأول هو أن "حزب الله" يهيمن على البلد، لا فقط بقوة السلاح بل أيضاً بقوة الأكثرية النيابية التي يتحكم بها ومعها رئاسة الجمهورية والبرلمان والحكومة وبقية مفاصل السلطة. والتغيير يبدأ من تغيير الأكثرية النيابية. بما يقود الى تبدل رئاسي وبرلماني وحكومي وعودة لبنان الى تاريخه ومداره الطبيعي. وهذا ما أعلن "حزب الله" أنه يعمل لمنعه.

منطق الرهان الثاني أن أساس الأزمات هو الخطأ المقصود في تكوين لبنان، بحيث أُريد له أن يكون "مختلفاً" عن محيطه نظاماً ودوراً. والحل هو إعادة تكوينه وهندسته الجيوسياسية ليكون منسجماً مع المحيط والمشروع الإقليمي للجمهورية الإسلامية في إيران. وهذا ما تتعدد القوى العربية والإقليمية والدولية التي ترفضه، وتدرك إستحالة إلغاء لبنانية لبنان وعروبته وسيطرة الهوية الفارسية على الهوية العربية، ولو تحت عنوان إسلامي مذهبي.

ومن الوهم الرهان على أن يطبق اللبنانيون والعرب المثل الصيني القائل: "ما لا تستطيع تجنّبه، رحّب به".