هل ستكون قمّة غلاسكو نقطة تحوّل تاريخي في المناخ، كما ادّعى بعض المشاركين فيها، أم ستكون كالقمم السابقة، حبراً على ورق؟ هل يكفي أن تجدّد دول مجموعة العشرين التزامها هدف قمّة باريس التي نصَّت على خفض الانبعاثات والحدّ من ارتفاع درجات الحرارة؟ من سيعمل فعلياً على مكافحة تداعيات التغيُّر المناخي، وهل في استطاعة الذين يدمّرون الكوكب ويجعلونه غير صالح للعيش أن ينقذوه اليوم وهو على حافة الهاوية؟
كلام الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش، أمام قادة العالم، بدا كأنّه صرخة في برّيّة، أو كأنّه يأتي من كوكب آخر: "كفى انتهاك التنوّع البيولوجي. كفى قتل أنفسنا بالكربون. كفى التعامل مع الطبيعة كمكبّ نفايات. كفى الحرق والحفر والذهاب في الأرض إلى أعماق أكبر. إنّنا نحفر قبورنا بأنفسنا". هذا الكلام يردّده العلماء منذ أكثر من ثلاثة عقود، فمن يصغي إليهم ومن يتدارك الأخطار المحدقة بالبشر، اليوم وفي المستقبل؟ منذ عقود والعلماء يحذّرون من وقوع الكارثة. من اقتراب السفينة من جبل الجليد العائم. منذ عقود وهم ينبّهون أسياد العالم أنّ الارتطام بات وشيكاً.
هناك وعود الآن، في الدورة السادسة والعشرين، كما في كلّ قمّة حول المناخ، وهذه الوعود تحتاج إلى تطبيق عاجل لأنّ فترة الانتظار انتهت. وعود تطال الغابات وخفض إنتاج الوقود الأحفوري الذي يُعَدّ أحد العوامل الأساسيّة في التلوّث والاحتباس الحراري. الثلثاء الماضي، أعلن أكثر من مئة رئيس دولة - بعضهم من أكثر المعتدين على الأشجار في الدول التي تحتوي على أكبر نسبة من الغابات في العالم – أنهم يريدون، بحلول العام 2030، إنهاء اجتثاث الغابات الذي يشكّل أيضاً مصدراً لتفشّي الأوبئة! لقد كان التعاطي مع الغابات، ولا يزال حتى الآن، كأنّه ضَربٌ من الانتقام. قرابة 258000 كلم مربّع من الغابات اقتُلعت في العام 2020، أي العام الذي بلغت فيه الجائحة أوجها، خصوصاً في البرازيل حيث تعرّضت غابة الأمازون، مع الرئيس جائير بولسونارو، إلى ما لم تتعرّض إليه، بمثل هذه الحدّة، من قَبل.
الذين يملكون السلطة والتكنولوجيا والسلاح يملكون، في الوقت نفسه، القرار والقدرة على تدمير العالم وفق حساباتهم الاقتصاديّة الآنيَّة. هؤلاء لا يعنيهم المستقبل ولا مصير الإنسان والأرض. إنّ طريقة استغلال الأرض لا تختلف عن طريقة استغلال الإنسان للإنسان منذ أقدم العصور، لكنّها هذه المرّة مشفوعة بإمكانات علميّة وتكنولوجيّة هائلة. مع التقدّم العلمي لم يَرقَ الإنسان بعدُ إلى مستوى التمدُّن، بل ما زال يتحرّك، على المستوى الأخلاقي والإنساني، بطريقة بدائيّة آتية من سحيق الأزمنة. وهذا ما يؤكّد من جديد أنّ المكتسبات التي توصّلت إليها الحضارات عبر التاريخ ليست مُعطى ثابتاً، وقد تتراجع وتعود إلى نقطة الصفر، في كلّ لحظة، إذا لم يعمل الإنسان بصورة متواصلة على صَونها وحمايتها ودفعها إلى الأمام.
لقد كشفت جائحة كورونا التي ضربت العالم أنّ الذهنية الحاكمة لا تزال تنطلق من المعايير نفسها، كما كان الأمر دائماً: قويّ وضعيف، سيّد وعبد، مُستغِلّ ومُستغَلّ. وهي غافلة عن المخاطر التي تهدّد سكّان الأرض قاطبةً ولا تميّز بين الدول والإتنيات والمعتقدات، بل وتحتاج إلى التضامن اللازم لمواجهة التحدّيات المصيريّة الجديدة التي تواجه المجتمع البشري بأكمله. هكذا يعيش العالم اليوم لحظة مصيريّة سيتحدّد خلالها مستقبل الأرض والأجيال الآتية. إنها لحظة التأرجح بين التضامن والهمجيّة، التضامن الذي يدعو إليه المنتصرون للعدالة والمساواة، المراهنون على العقل، أولئك الذين ينظرون إلى الأرض بصفتها وطناً للجميع، أما الهمجيّة فهي صورة العالم، كما هو على حقيقته الآن، والذي تختصره نوازع التسلّط والاستئثار والجشع والأنانية وسباق التسلّح والهيمنة.
أمام ما يحدث في العالم اليوم، وأمام تلكُّؤ أسياد هذا العالم والمماطلة في حسم موضوع لا يحتمل التأجيل، لا بدّ من التذكير، مرّةً أخرى، بما قاله نيتشه كاشفاً عن رؤيته العميقة واستيعابه الجوهر البشريّ: "ذات مرّة، وفي زاوية قَصيَّة من الكون الشاسع الموزَّع على أنظمة شمسيّة متلألئة، كان ثمّة كوكب عاشت عليه حيواناتٌ ذكيّة تمكّنت من ابتكار المعرفة. كانت تلك اللحظة مصدر فخر وغطرسة، وكانت أكثر اللحظات زَيفاً وكذباً في "التاريخ الكونيّ" كلّه. لكنّها لحظة واحدة فحسب. فبعد أن زَفَرَت الطبيعة زَفرةً واحدة، بردَ الكوكب وتَجَمَّد، وكان على الحيوانات الذكيّة أن تموت".