رفيق خوري

أزمات مرحلة متقدّمة في الأزمة المصيرية

3 دقائق للقراءة

لا شيء يفصل في المشهد اللبناني بين ما يدور على المسرح السياسي وما يُدار في الكواليس. وليس اللعب على المكشوف بعد فصول المداراة والإلتباس سوى إشارة الى مرحلة متقدمة في أزمة لبنان المصيرية: الإقتراب من إكتمال "الإنقلاب" على التوازن الداخلي وتوازن العلاقات مع الخارج لتكريس مشروع "الغلبة" المرتبط بالمشروع الإقليمي الإيراني بقوة "حزب الله". أما الأزمة مع السعودية ودول الخليج، فإنها من إنعكاسات الأزمة المصيرية التي من دون مواجهتها سنبقى في مسلسل لا ينتهي من الأزمات. وأما أزمة الحكومة وبقية مواقع السلطة، فإنها من الظواهر على سطح الأزمة المصيرية العميقة جداً. وهي عملياً أزمة الهرب من الحقيقة في انفجار المرفأ.

ذلك أن الإصرار على "قبع" المحقق الدولي طارق البيطار ليس مطلب حق يراد به باطل بل مطلب باطل يراد به تأكيد "حق الإمرة" في السياسة والقضاء وكل شيء في البلد. وسلاح "الإرتياب المشروع" تجاوز استخدامه كل ما هو مشروع بالوسائل القانونية وما هو غير مشروع بوسائل القوة، بحيث بدا رأس القضاء كله مطلوباً. والسؤال الذي يصعب الهرب منه هو: ما الذي يجعل حزباً لديه مئة ألف مقاتل ويهيمن على لبنان ويقيم توازن رعب مع العدو الإسرائيلي، ويهدد بطرد أميركا من لبنان وغرب آسيا، ويقاتل في سوريا واليمن، يبدو خائفاً من قاضٍ أعزل إلا من قلم وختم الشرعية؟ ولماذا يشل حكومة كان وراء تأليفها ويصر على أن تبقى ولو مشلولة أسيرة مشكلة لا ضرورة لها وكل الضرر فيها؟

الأجوبة ليست من أسرار الآلهة. كذلك الأمر في الخوف على الأكثرية التي يمكن أن تغيّرها الإنتخابات. فنحن في نفق طويل مظلم ضاغط على اللبنانيين من كل الطوائف والمذاهب. وليس في نهاية النفق سوى ضوء يلوح في فتحة من بعيد هو الرهان على الإنتخابات لبدء التغيير. والهدف الأول يبدو إغلاق هذه الفتحة في مواجهة الرهانات المحلية والعربية والدولية على الإنتخابات، والتأكيد على ربط الإنفراج والمساعدات بها والتحذير من إلغائها.

والظاهر أن المطلوب هو أن يلتحق لبنان بالأنظمة الشمولية أو أنظمة الإسلام السياسي. الأنظمة الشمولية تكرر إجراء الإنتخابات مع الحرص على النتائج نفسها، وإن كانت السلطة الفعلية خارج البرلمانات. وحركات الإسلام السياسي هي إما رافضة للإنتخابات وتعتبر أن الديمقراطية "كفر"، وإما تعمل على طريقة الرئيس التركي أردوغان القائل: "الديمقراطية مثل قطار تنزل منه عندما تصل الى محطتك".

والظاهر أيضاً أن الأزمة مع السعودية تخدم مشروع "حزب الله"، وأن السلطة عاجزة عن إيجاد حل لها، بصرف النظر عن السعي وراء الوساطات العربية والدولية، وآخرها محاولة الجامعة العربية إستكشاف إمكان الحل. لكن غياب الموقف الوطني الواحد لدى المسؤولين يربك الوسطاء ويعيد تذكير اللبنانيين المنتظرين بقول سانتايانا: "لا رياح ملائمة لمن ليس لهم إتجاه".