عيسى مخلوف

الكتاب بين القيمة الإبداعيّة والقيمة المادّيّة

4 دقائق للقراءة

تواصلت حركة نشر الكتب في الدول الأوروبيّة بعامّة، وخصوصاً في فرنسا، خلال فترة الوباء والحَجر، وصولاً إلى المرحلة الراهنة. وهذا ما يتأكّد، سنة بعد أخرى، من خلال الأرقام التي تغطّي عدد الكتب الصادرة، ونسبة الإقبال عليها. يصدر سنوياً في فرنسا قرابة أربعين ألف عنوان جديد، أمّا كيف تُسَوَّق هذه الكتب وما هي المعايير التي تعتمد عليها المكتبات الفرنسيّة لاختيار هذا الكتاب أو ذاك، فهذا ما ترويه صحيفة "لوموند" الفرنسيّة من خلال تحقيق أجرته مؤخّراً ويواكب الموسم الأدبي الذي ينطلق مع فصل الخريف، وتُمنح فيه جوائز مهمّة تراهن دور النشر عليها إذ تبلغ مبيعات الكتاب الفائز، كما الحال مع جائزة "غونكور" الأدبيّة، مئات ألوف النسخ (مُنحَت العام الماضي للكاتب الفرنسي هيرفيه لو تيلييه عن روايته "الشذوذ" التي بيع منها أكثر من مليون نسخة). تقتضي الإشارة إلى أنّ هذه الجائزة تُمنح لعمل روائيّ واحد من أصل أكثر من 500 رواية تُنشَر سنوياً في فرنسا.

تركّز الصحيفة على الدَّور التجاري الذي تقوم به دور النشر من خلال ممثّليها، وكذلك على سياسة الترويج التي ترافق صدور الكتب، فضلاً عن الجوائز وأهمّيتها في رفع أرقام المبيعات. يتّضح هنا أنّ ما يتحكّم بمصير الكتاب لدى أصحاب المكتبات هو تاريخ صاحبه، ليس التاريخ الأدبي وقيمته الفنّيّة والجمالية، وإنما القيمة الشرائية التي تكشف عنها نسبة مبيعات كتبه السابقة، وهذا مؤشّر أساسي يحدّد، في الغالب، قبول هذه المكتبة أو تلك باقتناء كتاب جديد له وعرضه للبيع. لكن، هناك دائماً استثناءات في القاعدة، سواء لدى المكتبات أو لدى دور النشر نفسها. أي أنّ ثمّة من لا يزال يراهن على نتاج كُتّاب لم تحقّق كتبهم السابقة المبيعات المرجوّة. في هذه الحلبة التي تشبه ملاعب سباق الخيول، يشهد الكتاب الصادر حديثاً حياته أو موته. ذكرنا أنّ الكتب تصدر بكمّيات هائلة، غير أنّ النسبة التي تكسب السباق، وتلك التي تبلغ الشهرة وتخترق جدار الصوت، تبقى محصورة في عدد محدود من الإصدارات.

نسبة كبيرة من الكتب لا تصدر إلاّ لتختفي بسرعة البرق. هناك كتب لا تتمكّن من اجتياز عتبة المكتبات، وكتب أخرى، تجتازها ولا تجد مكانها المفضّل في الواجهات. بعضها يعيش أشهراً، والبعض الآخر حياته قصيرة لا تتجاوز الأيام والأسابيع القليلة. في هذا المناخ التّسويقي الذي لا يرحم، يصبح المعيار الأهمّ هو النّجاح المادّي والإعلامي. الأدب الرّائج اليوم ينطلق، في قسم كبير منه، من قضايا وموضوعات مثيرة. يحرّك فضول القارئ ويكون أدباً مسلّياً لا تتطلّب قراءته جهداً، ولا يفتح آفاقاً جديدة، أو يقترب من الجوهر الإنساني. وهذا ما يفسّر نجاح بعض الرّوايات على المستوى العالمي. لكن، هذه العالميّة لا تعني شيئاً في زمن العولمة، ونَقْل عمل روائي إلى غير لغة لا يعكس دائماً، بالضّرورة، قيمته الفنّيّة وأهمّيّته الفعليّة.

يكشف هذا الواقع الوجه الآخر للكتابة في الوقت الرّاهن. الكتابة التي يُنظَر إليها وإلى الفنون ككلّ، كبضاعة تخضع للتسليع، وتكتسي أهميّتها، في أحيان كثيرة، انطلاقاً من مردوديّتها المادية. التّجارة هي الأساس بعدما أصبحت الروايات تشكّل صناعة قائمة بذاتها. صناعة تستخدم قنوات وجيوشاً من المتواطئين، من وسائل إعلام ونقّاد وسوق نشر إلى المهرجانات والجوائز. هذا لا يعني أنّ ليس ثمّة روايات تستحقّ التّقدير والجوائز، لكنّ أعمالاً أدبيّة كهذه أصبحت تنتمي إلى النّدرة والاستثناء. والحال هذه، أليست الرّواية، على الرّغم من شيوعها وانتشارها، هي أيضاً في أزمة، كما الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانيّة، فضلاً عن المسرح والفنون التّشكيليّة، بعد أن وضع المال يده على جميع مراحل إنتاجها وتوزيعها؟

الكاتبة الفرنسيّة كريستين أَنْجُو، فازت هذا العام بجائزة "ميديسيس" الأدبيّة عن كتابها "الرحلة إلى الشرق" الذي يستوحي أيضاً سيرتها الذاتيّة، ويدور حول التحرّش الجنسي الذي تعرّضت له في طفولتها. ولقد أعاد الفَوز للكاتبة البريقَ الذي فقدته، خلال السنوات الماضية، إثر صدور روايتها "لحظة تَحَوُّل في الحياة" التي أجمع النقاد على تحطيمها. هكذا أصبح صعود كاتب وهبوطه أشبه بمؤشّرات البورصات العالميّة. وهذا الموضوع يطرح السؤال من جديد حول واقع النّقد الرّاهن ومعاييره المتّبعة، وأيضاً حول الأثر الحاسم لمنطق التسليع، والعرض والطلب، في كلّ شيء وحتى في الحياة الثقافية نفسها.