جاد حداد

هل تحارب البيئة الميكروبية الجلدية شيخوخة البشرة؟

20 تشرين الثاني 2021

02 : 00

تعيش الجراثيم والفطريات والفيروسات على البشرة وداخل الأمعاء. تُعتبر البشرة أكبر عضو في الجسم وتشكّل حاجزاً واقياً من البيئة الخارجية.

لا تُسبب الميكروبات المتعايشة على البشرة، أو البيئة الميكروبية الجلدية، الأمراض بل إنها تفيد الجسم. قد تكون ثابتة على الجلد أو تنتشر عليه موقتاً.

تتفاعل البيئة الميكروبية الجلدية مع جهاز المناعة وقد تؤثر على وظيفته، وتنظّم المناعة من جهتها تركيبة هذه البيئة الجلدية.

تؤدي مظاهر الشيخوخة إلى تغيير تركيبة البشرة ووظيفتها بسبب عوامل "داخلية" مثل التقلبات الهرمونية أو الأيضية أو المناعية. كذلك، قد تطلق عوامل "خارجية"، مثل التدخين والتعرض لأشعة الشمس ودرجات حرارة معينة، عمليات مناعية تؤثر على تركيبة البشرة ومسار تجدّدها. تتعدد التغيرات الجلدية التي تحصل في مرحلة الشيخوخة، منها زيادة التجاعيد، وتراجع مرونة البشرة، وصعوبة شفاء الجروح، واختلال وظيفة الحاجز الجلدي.

في الوقت نفسه، قد تشتق التغيرات في البيئة الميكروبية الجلدية من تراجع إنتاج الزهم (عنصر زيتي يحمي البشرة)، وانخفاض كمية المياه في الجلد، واختلال وظيفة المناعة.

تغيرات مرتبطة بالسن في البيئة الميكروبية

تسمح تقنيات علمية متقدمة اليوم بتقييم التغيرات الحاصلة في ميكروبات الجلد بسبب الشيخوخة، أبرزها تجزئة الحمض النووي الريبي الريبوسومي والتسلسل الميتاجينومي.

خلال محاضرة في العام 2019، أوضحت الدكتورة إليزابيث غرايس، أستاذة مساعِدة في أمراض الجلد وعلم الأحياء الدقيقة في جامعة "بنسلفانيا"، أن تجزئة الحمض النووي الريبي الريبوسومي تسمح للعلماء بالإجابة على أسئلة عدة حول تركيبة عيّنة محددة أو مجموعة متنوعة من العينات.

تقول غرايس: "يعطي علم الميتاجينوميات نظرة أكثر دقة عن البيئة الميكروبية الجلدية. بفضل هذه التقنيات، يمكننا أن نأخذ عيّنة فيها الحمض النووي الجينومي، ونفكك ذلك الحمض في العيّنة، ثم نقطّع تلك الأجزاء أيضاً. تسمح هذه العملية بتحديد فصيلة الميكروبات وأصلها، وإعادة بناء المسارات الأيضية الجينية والوظيفية داخل عيّنة محددة، والأهم من ذلك هو أنها تعطينا نظرة متعددة التوجهات حول البيئة الميكروبية الجلدية".

أثبتت الدراسات السابقة أن البيئة الميكروبية الجلدية لدى جميع البشر تحتوي دوماً على بعض أجناس المكورات العنقودية والوتدية الخناقية والراكدة البومانية.

لكن تؤثر عوامل العمر ومساحة الجسم والجنس والموقع الجغرافي على تركيبة البيئة الميكروبية الجلدية. كانت الدراسات السابقة قد رصدت تغيرات في تركيبة تلك البيئة وعلاقتها بالشيخوخة، لكن لم يفهم الباحثون بعد الآليات الكامنة وراء تلك التغيرات.

في دراسة جديدة، أراد فريق من "جمعية نيزو للأبحاث الغذائية" في هولندا أن يفهم الرابط بين العمليات الخلوية التي تدخل في خانة الأيض المشترك، والجينات أو الوظائف الجرثومية المرتبطة بشيخوخة البشرة. موّلت شركة "إستي لودير" التي تبيع منتجات الرعاية بالبشرة جزءاً من الدراسة.

في البداية، راجع الباحثون المراجع العلمية القائمة لتحديد المسارات البيولوجية الشائعة بين البشر والميكروبات الجلدية وعلاقتها بشيخوخة البشرة. ثم استعملوا تقنية تجزئة الحمض النووي الريبي الريبوسومي انطلاقاً من عينات مأخوذة من خدود نساء يواجهن تغيرات جلدية متنوعة ومرتبطة بالسن للتأكد من التغيرات التي رصدتها الدراسات المنتقاة في تركيبة البيئة الميكروبية الجلدية.

أخذ الباحثون عينات جلدية، واحدة من كل خدّ، من 25 امرأة تتمتع بصحة جيدة ومن أصل أوروبي في بلجيكا. توزعت المشارِكات بين فئتين عمريتَين: بين 20 و28 عاماً، وبين 59 و68 عاماً. استبعدت الدراسة المشارِكات المصابات بأمراض جلدية معينة ومن يواجهن عوامل خارجية مرتبطة بالشيخوخة الجلدية. شملت معايير الإقصاء الحالات التالية:

• حب الشباب.

• الإكزيما.

• داء الصدفية.

• أخذ أدوية جلدية، مثل المضادات الحيوية أو مضادات الفطريات أو الستيرويدات، قبل شهر من بدء الدراسة.

• التدخين راهناً أو في آخر سنتين.

• تسمير البشرة أو التعرض لأشعة الشمس.

• استهلاك أكثر من 3 حصص كحول يومياً.


المسارات الجرثومية لشيخوخة البشرة


جمع الباحثون جينومات مرجعية من قاعدة بيانات خاصة بتسلسل الجينات في المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية. كانت المعلومات تتعلق بالجينات المرتبطة بشيخوخة البشرة استناداً إلى نتائج الاختبارات.

استعمل العلماء في المرحلة اللاحقة مسارات ميكروبية لإنشاء نماذج بيانية عادوا واستخدموها لتحليل الجينومات الجلدية المرجعية، واستندوا إلى الاختبارات بتقنية تجزئة الحمض النووي الريبي الريبوسومي، وبيانات من تحليل مباشر للجينومات انطلاقاً من العينات الجلدية التي جمعوها.

اكتشف الباحثون أن المسارات الجرثومية المرتبطة بشيخوخة البشرة تتأثر بإنتاج السيراميد (مواد دهنية يتألف منها الحاجز الجلدي الطبيعي)، فضلاً عن الأحماض الدهنية والمواد الصبغية. استنتج العلماء أيضاً أن الأنزيمات الجرثومية المرتبطة بغلكزة البروتينات تكون على صلة بشيخوخة البشرة.

تبدأ غلكزة البروتينات في البشرة حين تتصل السكريات ببروتينات مثل الكولاجين والإيلاستين. قد يؤدي تراكم غلكزة المنتجات النهائية من الكولاجين والإيلاستين إلى فقدان مرونة البشرة وترهلها.

تقول الدكتورة دينا بيرمان، طبيبة أمراض جلدية في مركز "بروفيدانس سانت جونز" الصحي (لم تشارك في الدراسة الأخيرة): "توصلت تلك الدراسة إلى نتيجة تفوق ما نعرفه أصلاً. قسّم الباحثون المشارِكات بناءً على مسار شيخوخة بشرتهنّ. هذا الفرق بالغ الأهمية لفهم طريقة تأثير الجراثيم على البشرة والعمليات الأيضية التي تنعكس على مسار الشيخوخة". لكن كانت الدراسة محدودة على مستويات معينة بسبب حجمها الصغير وعدم تنوّعها، ما قد يمنع تعميم نتائجها.

بشكل عام، قد تشكّل هذه النتائج ركيزة للدراسات المستقبلية التي تسعى إلى تحسين طريقة فهمنا للتداخل القائم بين العمليات الجزيئية والبيئة الميكروبية وتأثيره على شيخوخة البشرة.

تعتبر بيرمان هذه الدراسة نقطة بداية إيجابية، لكنها تُشدد في الوقت نفسه على ضرورة إجراء أبحاث كثيرة أخرى للتأكد مما تفعله مختلف الجراثيم أو معرفة طريقة تفاعلها وتأثيرها على مسار شيخوخة البشرة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.