في كتابه الأخير "الهرب إلى سمرقند" الصادر عن دار "كاستور أسترال" الفرنسية، يحكي الشاعر والكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي سيرة شخص يدعى "بَارْد"، في الزمن الماضي وفي الزمن الراهن، وصولاً إلى الوباء الذي حلّ على البشريّة وكشف عجزها وتخبّطها وحدود إمكاناتها. وهو يتساءل، في هذا السياق، كما الحال مع الكتّاب الذين سبقوه وعاشوا ظروفاً مماثلة، في مواجهة الأوبئة والحروب والإبادات، عن الجدوى من الكتابة أثناء المأساة وبعدها، ليخلص إلى القول إنّ الرعب الذي يعذّب الجسد والروح حاضرٌ، لكنّ الكتابة حاضرة أيضاً. تُعاين وتَشهد. تحرّض على التفكير، وتحمل شعلة الحبّ والحرّية. ولئن كان الرعب موجوداً ويشبه قطعة فولاذ تحاصرنا من كلّ جانب، وتحجب عنّا الأفق والمستقبل، فإنّ الكتابة موجودة أيضاً "لتستمرّ بعض الأحلام في زيارتنا، في مواساتنا، وفي تذكيرنا بالمدى المجهول واللانهائي الذي جئنا منه وإليه سنعود، وبأنّ هذا السرّ وجد فينا منزله المُوَقَّت".
لقد شكّل الوباء، بالنسبة إلى السيّد بارْد، بطل الحكاية، تحدّياً جديداً دفعه إلى وقفة لا بدّ منها، إلى مراجعة باتت ضرورية قبل فوات الأوان. فالوباء يستشرس، بشكل خاصّ، في استهداف الذين بلغوا العمر الذي بلغه هو، على غفلة منه. ألا يقول الشاعر شارل بودلير إنّ "الوقت يأكل الحياة"، مُضافاً إليه الوباء الآن؟ وقبل أن يأكله فعلاً، أليس ثمّة كلمة ينبغي أن تُقال، حتى لا تبقى عالقة على طرف اللسان؟
فتراتُ الحَجر، إذاً، جعلت السيّد بَارْد وجهاً لوجه مع ماضيه وحاضره. يستشرف المستقبل ويترقّب القَدَر المحتوم! أعادته هذه الفترات إلى طفولته وشبابه، وأيقظت في ذهنه مرحلة السجن التي تفصله عنها عقود من الزمن. وكان سُجنَ بسبب انتصاره للحرّية، ووقوفه إلى جانب القضايا العادلة، وإصراره على مناهضة الظلم، كتابةً وفعلاً. لكنّه يعود، هنا، إلى تلك التجربة التي فتحت عينيه على تناقضات النفس البشريّة. يعود إليها، هذه المرّة، بموضوعيّة بعدما اتّخذ مسافة منها، وبعين المتبصِّر الهادئ، بصورة جعلته يتخيّل أنّ الذي عاش سنوات طويلة أوقات السجن، بجسده وروحه، كأنّما هو قرينه. الشخص الآخر الذي يشبهه.

يصف اللعبي كيف كان السجين الذي يحمل الرقم 18611 يشعر، وهو لا يزال في عزّ شبابه، كأنّه مُوَكّل بألاّ يغمض عينيه وألاّ يصمّ أذنيه حيال البؤس اليوميّ والجور. يقول: "كان العصفور العملاق الذي لا تمنعه جناحاه من أن يسير أو يطير. وفي لحظة التحليق في مكان عالٍ من السماء الزرقاء حيث يشعر المرء بأنه في مأمَن من كلّ شيء، وقعَ في شباك صائد العصافير الذي قطعَ جناحَي طريدته وألقى بها في جحيم أقرب ما يكون إلى ما وصفته، بساديّة صاعقة، بعض الكتب المقدّسة".
إلى واقع عالمنا الراهن والمخاطر التي تتهدّده، يتوقّف الكاتب طويلاً عند واقع المجتمعات العربية الرازحة تحت وطأة الاستبداد والنظرة المتخلّفة للدين، ما يجعل تلك المجتمعات تعيش زمناً غير الزمن الذي تعيشه البشريّة في الوقت الراهن.
كبندول الساعة يتحرّك السيّد بارْد بين الشرق والغرب، وبين ضفّتي المتوسّط. يرصد الواقع هنا وهناك، ويُراجع مسيرته الخاصّة في الزمان والمكان، إنساناً وكاتباً وفنّاناً تشكيلياً، من خلال رؤيته الشعرية للحياة والعالم، ومن خلال كتابة تنضح بالبُعدَين الجمالي والإنساني.
السيد بارد، في الحكاية، هو، في الواقع، عبد اللطيف اللعبي نفسه. أمّا السيدة بَارْد فهي زوجته جوسلين اللعبي التي رافقته في تجربة الواقع والكتابة، وهي تجربة خصبة لها موقعها في الثقافة العربية، وتركت بصماتها على المشهد الثقافي في المغرب العربي بصورة عامّة. جوسلين الآتية من فضاء ثقافي مختلف، ومن جغرافية مختلفة، اتّحَدَت بالمثُل والقِيَم التي دافع عنها اللعبي ولم يكن ثمّة فاصل بينها وبينه، بل كانت بمثابة ملاك حارس، وحَجَر كريم تلمع أنواره في وجه رفيق حياتها ويمنحه الأمل كلّما اشتدّت حوله الظلمات.
صحيح أنّ وباء كورونا هو الخيط الجامع لهذا الكتاب، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ في موازاة البطل الأساسي لهذا العمل، هناك بطل آخر هو الموت، يسير معه كظلّه. ويروي عبد اللطيف اللعبي في كتابه الجديد إحدى حكايات "ألف ليلة وليلة"، وعنوانها "الوزير والموت"، وفيها أنّ هارون الرشيد استقبل يوماً وزيره الأهمّ الذي جاءه متوسّلاً إليه بأن يساعده على الهرب من بغداد والذهاب إلى سمرقند ليختبئ فيها، لأنّه رأى الموت في السوق وكان كاشفاً عن وجهه وهو يلتفت إليه ويحدّق فيه. وبعدما حقّق هارون الرشيد طلب وزيره، نزل مقنَّعاً إلى السوق نفسه والتقى الموت، فسأله لماذا يريد أن يقبض على روح وزيره، وكان الجواب: "لقد تفاجأتُ برؤية الوزير في بغداد بينما كنتُ أنتظره هذا المساء في سمرقند".