... وهدرت الآلات الموسيقية في سماء لبنان. الأوركسترا بقيادة المايسترو لبنان البعلبكي أطلقت إحتفال "مبادرة تكريم" بالنشيد الوطني اللبناني. يا لهذا النشيد الذي كلما سمعناه ورددناه تسري فينا قشعريرة رائعة. نتذكر أن لبناننا يبقى الأجمل حتى ولو "حنقنا" منه أحياناً و"أنهكنا" بعض من فيه، من ساسة، في أحيان عديدة. وانطلق الإحتفال. مؤسس "تكريم" الإعلامي ريكاردو كرم، الذي بادر عام 2010 الى إطلاق ما آمن به من قلب بيروت، في عالم عربي محفوف يومها بكل أنواع المخاطر، عاد وبادر اليوم الى إطلاق إحتفال "تكريم" في سنتها الثانية عشرة من لبنان أيضاً. هو قبِل التحدي منذ اليوم الأول وجدّده البارحة: فالدنيا لا ولن تتوقف، لذا ثقوا بأحلامكم. ثقوا "بالقيامة". وثقوا أن بيننا، بين العرب، مبدعين. فلنفتخر".

أجواءٌ مفعمة بكثير من الأمل، وكيف لا والعالم العربي زاخرٌ بتنوعٍ يستحقّ الكثير من الثناء والتقدير. فمن هم الفائزون؟ الأكاديمية والناشطة الحقوقية السودانية بلقيس بدري. القرية الخضراء في بكرزاي- لبنان. الشيخة نورة بنت سلطان القاسمي، مؤسسة "الشارقة للفنون" ومديرة بينالي الشارقة. محمد سليم بن خميس العلويني، الرائد التونسي في عالم أنظمة الإتصالات اللاسلكية وتطوير أجيال جديدة من الشبكات الفضائية الجوية والأرضية. اللبناني كارل بستاني، رئيس شبكة سابس. عمر عيتاني، الشاب اللبناني الريادي الذي "فجّر" الأفكار البيئية والإجتماعية بأعمال "ترفع الرأس". المهندسة والمعمارية العراقية ريا العاني، التي تشبه كثيراً زها حديد، في ألقها وعالميتها. مؤتمر القمة العالمية للإبتكار في التعليم- وايز- قطر. أسامة الثني، الشاب الليبي الآتي من طوارق صحراء تادرارت المعروفة بسلسلة جبال أكاكوس، الذي تعهد أن يكون صلة الوصل بين سكان صحراء ليبيا وسكان البحر والعالم. جمعية البرامج النسائية- لبنان. واستحقت جائزة التميّز الخاصة سعاد العامري، المعمارية والكاتبة الفلسطينية، التي آمنت بالموروث المعماري الثقافي الفلسطيني وأسست عام 1991 "مركز المعمار الشعبي- رواق" وألفت كتباً، ترجمت الى لغات الأرض كلها، بينها "شارون وحماتي" الذي كتبته يوم وجدت نفسها بين حصارين: شارون وحماتها.

لم تكن التحضيرات المسبقة سهلة. فنحن في زمن كورونا ونحن، لبنانياً، في الزمن الأكثر صعوبة. لكن، من له الإرادة له القوة. ومن يصمد ويثابر لا بُدّ أن يعبر كل المطبات. وهذا ما كان.
تقاطر كثيرون وكثيرون غابوا. فهناك من خافوا من متحولات كوفيد ومن ليالي لبنان الضبابية وتراجعوا في آخر دقيقة لكن هناك من أصروا وركبوا طائراتهم وأتوا. من لبنان ومن العالم إلتقوا في ما يشبه التظاهرة الثقافية العالمية. وجوهٌ معروفة ووجوه أعمالها معروفة. ودردشات كثيرة كانت تبدأ وتنتهي بكلمة بيروت. كل من شاركوا، من كل جنسيات الأرض، جددوا الرهان على أن بيروت لا بُدّ أن تقوم من تحت الردم. قدمت الإحتفال ليلى الشيخلي. وكانت تحية رائعة الى إيتيل عدنان التي قرأت من كتاباتها جاهدة وهبة فارتعد المسرح بعظمة الصوت والكلمة والشعر والأداء والحضور والمعنى.

فواصل موسيقية من الأوركسترا بقيادة لبنان البعلبكي تكررت. أعلامٌ عربية مرّت وصور ولقطات ومشاهد من عالمنا العربي شاهدناها على وقعِ أغنيات تداعب المشاعر الوطنية. جورجينا رزق، أطلت بالأحمر، مقدمة واحدة من الجوائز. رهيبة ٌ هي ملكة جمال الكون السابقة كلما كبرت زادت رونقاً.
وبين مرورها الأول في بيروت، قبل 12 عاماً، ومرورها اليوم، مشت "تكريم" بثبات من بيروت الى الدوحة فالمنامة فباريس ومراكش ودبي والقاهرة وعمان والكويت ثم بيروت... والموعد المقبل، في شباط 2022، في الولايات المتحدة الأميركية.

"ثق بأحلامك ففيها تكمن بوابة الخلود". جبران قال ذلك قبل دهر. تكريم قالت ذلك قبل عقد. والثابت أن الإنجازات الكبرى تبدأ بخطوات صغيرة. رحلة "تكريم" بدأت هي أيضاً بخطوة، بحلم، بحلمٍ ألحّ على الإعلامي ريكاردو كرم، وكبر يوماً بعد يوم. والأحلام كما تعلمون كلما كبرت كبرت معها النتائج.

بيروت كانت الحاضنة. بيروت التي لا تموت. بيروت فاتنة المدائن لن تموت. بيروت التي ضربتها في عامين زلازل أنهكتها وتلوّن بحرها بالأحمر الداكن تريد أن تعيش... "تكريم" أنعشتها البارحة ببعض ضخات أنفاس الحياة... وكل من لبوا نداء "تكريم" كرروا: ثقوا، ثقوا ببيروت...
