على بُعد آلاف الأقدام تحت سطح "خليج مونتيري" قبالة كاليفورنيا، صوّر العلماء حديثاً سمكة لها رأس شفاف وبصلي الشكل وعينان خضراوان ودائريتان على جبينها.
يُسمّى هذا الكائن الغريب سمك عيون البرميل (أو ماكروبينا ميكروستوما) ونادراً ما يشاهده أحد. لم يرصد الباحثون في "معهد أبحاث حوض السمك في خليج مونتيري" هذه الفصيلة إلا تسع مرات، مع أنهم أرسلوا المركبات العاملة عن بُعد للغوص في مسكنها الطبيعي أكثر من 5600 مرة.
لكن في الأسبوع الماضي، أرسل فريق من العلماء مركبة "فنتانا" العاملة عن بُعد والتابعة "لمعهد أبحاث حوض السمك في خليج مونتيري"، فشاهدوا سمكة مُعلّقة في الماء من نوع عيون البرميل.
يقول توماس نولز، خبير في أحواض السمك في حوض خليج مونتيري المائي، إن المركبة كانت تتنقل حينها على عمق 650 متراً تقريباً في وادي "مونتيري كانيون" البحري، وهو واحد من أعمق أخاديد الغواصات على ساحل المحيط الهادئ.
يضيف نولز: "للوهلة الأولى، بدت سمكة عيون البرميل صغيرة جداً عند رؤيتها في المساحة المائية الزرقاء الشاسعة، لكني أدركتُ سريعاً حقيقة ما أشاهده. لا يمكن خلطها مع أي كائن آخر".
حين زادت حماسة المراقبين في غرفة التحكم، حَصَر نولز تركيز كاميرا المركبة العاملة عن بُعد على نقطة معينة وأبقى الطيار كنوت بريكي الروبوت تحت الماء مُوجّهاً نحو السمكة: "كنا نعرف جميعاً أن هذه التجربة لن تتكرر على الأرجح في حياتنا كلها لأن رؤية هذا الكائن الهارب هي تجربة نادرة جداً".
تحت تأثير الضوء المنبثق من المركبة العاملة عن بُعد، توهّجت عينا السمكة باللون الأخضر الساطع وكان يسهل رؤيتهما عبر الدرع الفاتح والمليء بالسائل الذي يغطي مساحة الرأس.
تكون هذه العيون حساسة تجاه الضوء ويمكن توجيهها نحو أعلى رأس السمكة أو على طول خط مستقيم. ثمة كبسولتان داكنتان أمام عينَي السمكة، وهما تحتويان على الأعضاء التي يستعملها هذا الكائن لِشَمّ الروائح.
يمتدّ المسكن الطبيعي لأسماك عيون البرميل بين بحر "بيرنغ" واليابان و"باها كاليفورنيا". يعيش السمك في منطقة الشفق في المحيط، وهي تقع على مسافة تتراوح بين 200 وألف متر تحت الماء. تقيم أسماك عيون البرميل تحديداً تحت سطح المحيط بمسافة تتراوح بين 600 و800 متر، بالقرب من المنطقة العميقة التي تصبح فيها المياه داكنة بالكامل.
لا يعرف العلماء بعد عدد هذه الكائنات الهلامية في أعماق المحيط.
يقول بروس روبنسون، عالِم مرموق في "معهد أبحاث حوض السمك في خليج مونتيري": "نحن لا نعرف عدد تلك الأسماك إلا نسبياً. لكن تبقى أسماك عيون البرميل أقل عدداً من تلك التي نشاهدها دوماً في منطقة الشفق، مثل سمكة الفانوس أو بريستليموث. في المقابل، يشاهد العلماء في المعهد أسماك عيون البرميل بقدر ما يشاهدون سمك أبو الشص والحوت والأنقليس، أي في مناسبات نادرة جداً".
بناءً على ملاحظات سابقة جمعها الباحثون في "معهد أبحاث حوض السمك في خليج مونتيري" ونشرتها مجلة "كوبيا" في العام 2008، يظن العلماء أن أسماك عيون البرميل تبقى بلا حركة في معظم الأوقات بانتظار مرور فرائس غير حذرة، مثل العوالق الحيوانية وقناديل البحر، قبل الانقضاض عليها. تستطيع هذه السمكة أن تتأرجح بهذه الطريقة بفضل مجموعة زعانف واسعة ومسطحة تنبثق من جسمها.
تستطيع سمكة عيون البرميل أن ترصد أشكال فرائسها من فوق عبر توجيه عيونها الخضراء نحو الأعلى، وتسهم المادة الصبغية الخضراء في تلك العيون على الأرجح في فلترة أشعة الشمس على سطح المحيط.
حين ترصد السمكة قنديل البحر المضيء بيولوجياً أو نوعاً من القشريات الضئيلة التي تطفو في محيطها، ستحصر تركيزها نحو الأعلى لالتقاط الكائن المستهدف بفمها تزامناً مع تدوير عينيها نحو الأمام كي تتمكن من رؤية اتجاهه. يفترض العلماء أن أسماك ماكروبينا ميكروستوما قد تلتقط الطعام أحياناً من السحاريات (كائنات مشابهة لقنديل البحر تلتصق ببعضها البعض على طول خطوط طويلة وتلتقط فريستها بمخالبها).
قد يحمي درع الرأس الشفاف سمكة عيون البرميل من الخلايا اللاذعة في مخالب السحاريات، لكنه مجرّد افتراض.
يوضح روبنسون: "لا تزال معظم جوانب تاريخها الطبيعي مجهولة وترتكز المعلومات التي نعرفها عن هذه الكائنات على التوقعات".
وُصِفت أسماك ماكروبينا ميكروستوما للمرة الأولى في العام 1939، لكن التقط الصيادون العينات الأولى منها في شبكات دمّرت درع رأسها الشفاف. لهذا السبب، لم يعرف العلماء شيئاً عن تلك الدروع إلا بعد العام 2000، حين شاهد علماء من "معهد أبحاث حوض السمك في خليج مونتيري" سمكة عيون البرميل في مسكنها الطبيعي. لكن يجب أن يكتشف الباحثون اليوم معلومات كثيرة بعد عن هذه السمكة الغريبة.
شاهد العلماء في آخر رحلة غوص نماذج من أسماك ماكروبينا ميكروستوما بكل حماس إلى أن ابتعدت عنهم، ثم تابعوا بحثهم عن قناديل البحر وهلام المشط في عمق المياه.
يقول نولز: "لم نكن نطمح لجمع أي معلومات عن هذا الحيوان لأن الحوض المائي ليس مُصمّماً للاعتناء بأسماك لا نفهمها بما يكفي. لكن من المنتظر أن يعرض الحوض قريباً عدداً كبيراً من الكائنات الغريبة والمدهشة من أعماق البحار".
في ربيع العام 2022، سيفتح "حوض السمك في خليج مونتيري" معرضاً جديداً اسمه "نحو الأعماق: استكشاف محيطنا غير المُكتشَف"، ومن المتوقع أن يشمل جميع كائنات أعماق البحار، بدءاً من متماثلات الأرجل العملاقة وصولاً إلى عناكب البحر وهلام المشط ذات البطن الدموي. وعلى غرار أسماك عيون البرميل، يبدو جزء كبير من هذه الكائنات مستخرجاً من روايات الخيال العلمي!