عيسى مخلوف

حين يحلّ العنف محلّ اللغة

4 دقائق للقراءة
بيروت، للمصور الفوتوغرافي الإيطالي غبرييلي بازيليكو

هل بقيَ مُتَّسَع للمخيّلة والحلم وسط هذا الصخب الكونيّ، في كوكب يُمسكُ بقَرنَيه أسيادُ السلطة والجشع والمال؟ هل هناك فسحة للتطلُّع إلى عالم أكثر إنسانيّة وأوفَر رحمة وأَعمق جمالاً؟

لجأ الإنسان القديم - لتوسيع رقعة الواقع، لتَحَمُّله أو لتجاوزه أحياناً - إلى صياغة الملاحم والأساطير، كما عملَ على ابتكار الأديان المختلفة، بصفتها حاجةً روحيّة، وغطاءً يحميه ويساعده في مواجهة سؤال الموت والماوراء، وذلك قبل أن تُوَظَّف الأديان سياسيّاً وتصبح إحدى أدوات الظُلم والكراهية والتفرقة.

من جهة ثانية، سَعَت الآداب والفنون، عبر العصور، إلى فتح نوافذ وآفاق جديدة وإعطاء معاني أخرى للحياة والعالم. كذلك فعل الفكر العقلاني الموضوعي الذي تغيّرت معه النظرة إلى الإنسان والوجود. وجاء العِلم ليخترق الغامض ويدقّ أبواب المجهول. ومنذ بداية الثورة العلميّة، انفتحَ العالم على حقائق أماطت اللثام عمّا ظلّ مجهولاً طوال ألوف السنين، وكشفَ العلم ضحالة الفكر الغيبي والخرافات التي أسَرَت العقل البشري وما زالت تتحكّم به في مناطق كثيرة من العالم. في تلك المناطق، ومنها العالم العربي والإسلامي، يُحاصِر أصحابُ الفكر الواحد، المُطلَق والمستبدّ، مجتمعاتهم بطريقة تعيق مسار التقدّم وتَحول دون الحلم والمستقبل.

الاختراعات كلّها بدأت مِن حلم، والثورات أيضاً. مفكّرو عصر الأنوار حلموا بعالم يحترم الفرد وحقوق الإنسان، كما حلموا بفصل الدين عن الدولة وبعالم من دون سجون، وخصوصاً سجون اليقينيّات والأفكار الجاهزة البعيدة عن العقل والحسّ النقدي. أحلامهم تبلوَرت في أفكار تحوّل بعضها إلى منطلقات لقوانين تساهم في تسيير المجتمعات الجديدة. مارتن لوثر كينغ كان يحلم هو أيضاً بالحرّية والعدالة والتخلّص من التمييز العنصري، حين وقف في التظاهرة الكبرى التي أقيمت في واشنطن في الثامن والعشرين من آب 1963، قُرب نصب لينكولن التذكاري، وصرخ صرخته العالية التي كانت عنواناً لخطابه: "لديّ حلم". تحدّث في ذلك الخطاب عن حلمه بالتوصُّل إلى مجتمع لا تمييز فيه بين شخص أبيض وشخص أسود. ولا ننسى ما قاله في ذلك الخطاب التاريخي الذي ينطبق على كافّة الأمم والشعوب: "لن نترك كفاحنا الإبداعي يتحوّل إلى عنف جسدي. علينا أن نرتقي دائماً إلى المرتفعات ونردّ على القوّة الجسديّة بقوّة الروح التي فينا". وكان يعرف أنّ هذه القوة الروحيّة لا يمكنها أن تستقيم فعلاً من دون تحقيق الاتّحاد والتضامن.

ما فعله الفاشيّون في الماضي، وما يفعله الفاشيّون الجدد، هو جَرّ المجتمعات إلى احتمالِ عيشٍ واحد لا بديل عنه: العبوديّة وجَعْل الرعب الخبز اليومي لملايين البشر. والذين يتعاطون مع لبنان اليوم، كرهينة، ومعهم المتواطئون في الداخل والخارج، بدأوا منذ ثمانينات القرن العشرين بتوجيه ضرباتهم القاسية إلى مدينة بيروت، حيث المعاهد والجامعات والمستشفيات ودور النشر والحياة الثقافية. بيروت التي تماهت، ذات يوم، مع الحلم الذي كان يصبو البعض إلى تجسيده، والمناهض للنظام الطائفي القائم على البغض والزبائنيّة والانقسام الأهلي.

لقد عرف القَتَلة المتمرّسون أنّ القضاء على بيروت، كالقضاء على لبنان، بما هو فكرة تتطلَّع إلى المستقبل، لا يحتاج إلى صواريخ وقنابل وبراميل متفجّرة، بل إلى الانقضاض على ذلك الهامش من الحرّيّة المتمثّل في الحسّ النقدي وتفعيل العقل. فبدأت منذ الثمانينات سلسلة الاغتيالات التي شملت عدداً من المفكّرين والكتّاب والإعلاميين، وكان الهدف منها تصفية روح المدينة التي لا يزال فيها حتّى اليوم، رغم ما تشهده من ويلات، مَن ينتصر لوجه آخر مُتَنوِّر، غير طائفي، وبعيد عن إراقة الدماء ونشوة القتل.

يغيب عن بالنا أحياناً أنّ عدوّ الخارج لا يحاربنا فقط بأسلحته المتقدّمة ونزعته العنصريّة، بل أيضاً بتقدّمه التكنولوجي وبإيلاء الثقافة والآداب والفنون والترجمة حيّزاً واسعاً، وبتخصيص نسبة إنفاق كبيرة من إجمالي الدخل القومي للبحث العلمي والتطوير في كافّة القطاعات، بينما عدوّ الداخل يُفَجِّر ويُدَمِّر ويُقَوِّض، ويَقتل، أو يُهَجِّر، كلّ طالب علم، وكلّ من يجرؤ على ممارسة التفكير والنقد، وكلّ من يؤمن بحرّيّة الكلمة والحقّ في التعبير عن الرأي. مشروع العدوّ المحلّي، في العُمق، نقيض العلم والتقدّم، بل هو مشروع ظلامي بامتياز.