كيف تحمينا النشاطات الجسدية المنتظمة من التراجع المعرفي؟

02 : 00

تتلاحق منذ عقود أدلة قوية مفادها أن الرياضة المنتظمة تحمي الناس من الوزن الزائد والسكري وأمراض القلب، وحتى التراجع المعرفي. لكن لا أحد يعرف بعد الآلية التي تفسّر هذه المنافع. يسهل أن نفهم كيف يمنع حرق السعرات الحرارية عبر التمارين الجسدية المنتظمة اكتساب الوزن. لكن من الأصعب أن نفهم تأثير الرياضة على السكري ومشاكل القلب والأوعية الدموية وأمراض الدماغ.

في العام 2012، تطرّقت "رسالة هارفارد للصحة" إلى اكتشاف هرمون اسمه "إيريسين" في كلية الطب التابعة لجامعة "هارفارد". تم اكتشاف هذا الهرمون لدى الفئران، لكنه رُصِد لاحقاً لدى البشر أيضاً. تنتج العضلات، أو ربما أعضاء أخرى مثل الدماغ، هرمون الإيريسين خلال النشاطات الجسدية.

تثبت التجارب أن هذه الجزيئة تُحوّل الخلايا الدهنية البيضاء (تُخزّن الدهون) إلى خلايا دهنية بنّية (تحرق الدهون)، كما أنها تُحسّن مقاومة الأنسولين. هذه التغيرات تُخفّض وزن الجسم وتحمي من السكري وأمراض القلب في آن. هل يمكن أن يفسّر الإيريسين إذاً منافع الرياضة على مستوى الدماغ؟

هذا الأمر ممكن وفق تقرير بحثي نشره عدد من الباحثين في فريق "هارفارد" على موقع مجلة "أيض الطبيعة" في 20 آب 2021. بعد تعطيل جينة أساسية لإنتاج الإيريسين لدى الفئران منذ الولادة، أصبحت مستويات الإيريسين في الدم منخفضة جداً وباتت الخلايا العصبية في الدماغ غير طبيعية. في هذه المجموعة من الفئران، لم تُحسّن النشاطات الجسدية وظيفة الدماغ كما فعلت مع فئران لم تتغير لديها تلك الجينة. يكشف هذا الاستنتاج أن الإيريسين قد يكون مسؤولاً عن منافع الرياضة في الدماغ. لاستكشاف هذا الاحتمال، استعمل العلماء علاجاً جينياً لدسّ نسخ جديدة من الجينة السليمة لدى الفئران التي حملت الجينة المعطّلة، ما أدى إلى إنتاج مستويات مرتفعة من الإيريسين عند ممارسة النشاطات الجسدية وتحسين الأداء المعرفي.

ثم استعمل العلماء العلاج الجيني لزيادة مستويات الإيريسين لدى الفئران المصابة بمرض مثل الزهايمر. تحسّن الأداء المعرفي لدى القوارض وتحسّنت أيضاً التغيرات الدماغية المرتبطة بمرض الزهايمر. افترضت الدراسات أن تخفيف الالتهاب الدماغي قد يفسّر قدرة الإيريسين على حماية الناس من أمراض مشابهة للزهايمر في أدمغة الفئران.

لا تنطبق الدروس المستخلصة من دراسات الفئران على البشر دوماً. لكن بما أن البشر يحملون جزيئة الإيريسين الموجودة لدى الفئران، قد يفيد اكتشاف الإيريسين صحة البشر يوماً. على نطاق أوسع، تكشف هذه الدراسة أن المنافع الصحية التي تعطيها النشاطات الجسدية المنتظمة قد تنجم، ولو جزئياً، عن هرمون واحد أو هرمونات عدة تنتجها التمارين الجسدية.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.