عيسى مخلوف

بلزاك في بيته

4 دقائق للقراءة

بيت الكاتب الفرنسي أونوريه دو بلزاك، في الدائرة السادسة عشرة في باريس، فتح أخيراً أبوابه من جديد أمام الزوار والمهتمّين بعد أن تحوّل إلى متحف عصري يفسح المجال للتعرّف إلى أحد أبرز الكتّاب الفرنسيين في القرن التاسع عشر. في هذا البيت، عمل بلزاك، بين 1840 و1847، على مراجعة وتصحيح الأجزاء المختلفة لمشروعه الأدبي الكبير الذي عُرف تحت عنوان شامل هو "الكوميديا الإنسانية"، ويتألّف، في صيغته النهائيّة، من 93 رواية، منها، على سبيل المثال، "الويلات الصغيرة للحياة الزوجية"، "زنبقة الوادي"، و"الأب غوريو"، وتحتوي على ألفين وخمسمئة شخصية تتسلسل وفق هندسة مُحكمة.

الغرفة التي توجد فيها المكتبة هي قلب البيت/ المتحف، تتوسّطها الطاولة التي شهدت ولادة النتاج الضخم الذي وصفه مؤلّفه بأنه، على المستوى الأدبي، أكبر من كاتدرائية مدينة بورج الفرنسية التي شيّدت بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر. أثناء صياغته لهذا النتاج، كتب بلزاك في إحدى الرسائل: "مضت ست عشرة سنة وأنا أعمل على "الكوميديا الإنسانية"، وتلزمني ثماني سنوات أخرى لأفرغ منها". ونقرأ في رسالة أخرى: "ستكون للغرب بمثابة ألف ليلة وليلة".

هذه الإشارة إلى "الليالي" العربية ليست مجازاً، بل تعبّر عن تماهي بلزاك مع الكتابة المفتوحة، الشاسعة والمتعدّدة، والتي يعتبر بورخس أنّ تدفّقها كنهر جزء من جمالها، كما تؤكّد أنّ نجاح "ألف ليلة وليلة" في فرنسا لم يتوقف عند القرن الثامن عشر الذي شهد ترجمتها إلى اللغة الفرنسية مع المستشرق أنطوان غالان، بل تجاوزه إلى القرن اللاحق، فأصبحت تلك "الليالي"، منذ ذلك الحين، مصدراً لخيال لا ينضب ولأحلام واستيهامات كثيرة كشفت أثر هذا النص الآتي من الشرق على المخيّلة الغربية. ولم ينحصر هذا الأثر في الآداب والفنون التشكيلية، بل طاول المسرح والأوبرا والسينما وحتى الإعلانات.


في "الكوميديا الإنسانية" التي طبعت المشهد الأدبي الفرنسي، لم يكن بلزاك روائياً فحسب. كان أيضاً مؤرخاً وصاحب رؤية اجتماعية نافذة. عرف كيف يرصد التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو الذي عايش بدايات الثورة الصناعية وصعود البورجوازية الجديدة، ممّا دفع شارل بودلير إلى نعته بالكاتب "الرؤيوي". لقد تجلّى الكاتب في واقعيته الاجتماعية، التي لا يغيب عنها البعد الفانتازي، من خلال رصده الحياة اليومية والعادات والتقاليد والأفكار والأذواق المختلفة التي كانت سائدة في زمنه. رسم جدارية للنفس البشرية وللعلاقة مع الذات والآخر، وراقب شخصيات معاصريه جاعلاً من بعض نماذجها شخصيات عالمية الطابع (البخيل والطاغي والطَّموح...)، كما توقف عند العمل المأجور والعلاقات الزوجية، وأيضاً عند سلطة المال وتأثيره في تكوين الأشخاص، وفي العلاقات الاجتماعية وإلحاق الضرر بالمُثُل العليا. ومن هذه الزاوية، التفت إلى تجربته عدد من الفلاسفة والمفكرين، ومنهم ماركس وإنجلز.

رُبَّ سائل: من أين لبلزاك، الكاتب الذي تفترسه الكتابة، هذه الطاقة التي جعلته يكتب نتاجه الفسيح هذا؟ الجواب على هذا السؤال نجده في رسالة بعث بها في الثاني من كانون الأول من العام 1839 إلى إيف هانسكا، العشيقة التي أصبحت زوجته في الأشهر الأخيرة من حياته: "أعمل ثماني عشرة ساعة وأنام ستّ ساعات فقط. أتناول طعامي فيما أعمل، ولا أظنّ أنني أتوقّف عن العمل حتى وأنا نائم".

منذ القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا، استوحى عدد كبير من النحاتين والفنانين التشكيليين شخصية بلزاك ونتاجه، من أوغست رودان وغوستاف دوريه إلى بيكاسو وبيار ألشنسكي. رودان أنجز منحوتة تمثّل وجه الكاتب، وهي موجودة الآن في المتحف، كما أنجز منحوتة أخرى، كبيرة الحجم، توجد نسخة منها في المونبارناس قبالة مقهى "الدُّوم"، وهي من الأعمال التي مهّدت للنحت الحديث.

المرحلة التي كُتبت فيها "الكوميديا الإنسانية" أطلقَت الحداثة في مجالات الآداب والفنون وأسّست لفنّ الكاريكاتور وللصحافة بمعنى مختلف عما كانت عليه. ومثلما حضر بلزاك في "التربية العاطفية" لغوستاف فلوبير و"البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست، يحضر أيضاً اليوم، بعد 169 عاماً على وفاته، في ذهن بعض الكتّاب الفرنسيين المعاصرين وحتى في نتاجهم، ومنهم ماتياس إينار الذي يتحدّث عن جانب استشراقي عند صاحب "الكوميديا الإنسانية".