عيسى مخلوف

فَهْمُ العالم والعمل على إصلاحه

4 دقائق للقراءة

في نهاية كلّ عام ومع بداية عام جديد، تقوم وسائل الإعلام بجردة حساب لما حدث في غضون الأشهر الاثنَي عشر الماضية، في جميع الحقول والميادين، كأنّما هذه الفترة هي محطّة لا بدّ من التوقّف عندها قبل متابعة الرحلة المفتوحة على الزمان والمكان. مجلّة Lire الفرنسيّة أفردت بهذه المناسبة عدداً خاصّاً (146 صفحة) للحديث عن أحوال العالم اليوم ويتناول مواضيع عدّة منها التربية والدين والمجتمع والاقتصاد والسلطة، وكيفيّة مقاربة هذه المواضيع وفهمها من خلال مواقف وآراء عدد كبير من المفكّرين والفلاسفة.

"مئة مفكّر ومفكّر"، من الماضي والحاضر، بدءاً من الفلاسفة القدامى وصولاً إلى يومنا هذا. من سقراط وابن رشد ومونتينْيْ وسبينوزا وكَانْتْ وفولتير وداروين ونيتشه إلى ماركس وسيغموند فرويد وحنّة أرانت وجان بول سارتر وسيمون دوبوفوار وميشيل فوكو وبيار بورديو وكلود ليفي ستروس، إضافة إلى مفكّرين وفلاسفة أحياء منهم الفرنسي إدغار موران والألماني ماركوس غبرييل والمغربي طه عبد الرحمن. وهكذا يقدّم هذا العدد الخاصّ خلاصة لمراجعات فكريّة وفلسفيّة بدأت منذ قرون من الزمن وما زالت مستمرّة، بل تزداد الحاجة إليها اليوم بمقدار ما هي ضرورة للإنسانيّة ولمواجهة التحدّيات المتعاظمة، وأيضاً لاستشراف المستقبل، انطلاقاً من تساؤلات مهمّة تتعلّق بعلاقة الإنسان الآن بالطبيعة والبيئة، وبتقدّم الذكاء الاصطناعي وتأثيره على مسار البشريّة جمعاء.

سؤال البيئة والمناخ والاحتباس الحراري من الأسئلة الأساسيّة المطروحة في زماننا الراهن، خصوصاً بعد الوباء الذي اجتاح العالم في موجات متواصلة. ويطرح عدد من المفكّرين المشاركين في هذا العدد ضرورة إعادة النظر في العلاقة بين الإنسان والكوكب الذي يعيش في كنفه، بل وإرساء عقد جديد معه. من هنا الدعوة إلى التخلّي عن الفكرة التي سادت طويلاً، وانتقلت من جيل إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، وطالعتنا في نصوص قديمة منها النصّ التوراتي الذي دعا بوضوح إلى استباحة الأرض ومواردها بالطريقة التي يراها الإنسان مؤاتية له. لقد برهنت هذه النظرية، التي أصبحت في العصر الحديث أحد أركان الاقتصاد والمردوديّة المادية، عن محدوديّتها، وكشفت عن نتائجها الكارثيّة على البيئة والإنسان، بعدما انحصر التعاطي مع الموارد الطبيعيّة في استغلال منظَّم بلغت معه الأرض، وإمكانات العيش فيها، الحدود القصوى. هذا التعاطي الشرس والمتوحّش مع الأرض بصفتها شيئاً جامداً يمكن تطويعه كما نشاء، تُطرح معه اليوم أسئلة جوهرية تطال وجود الإنسان نفسه. وهذا ما يقتضي تغيير النظرة للمفاهيم السياسية والاقتصادية وللعلاقة مع بقيّة الكائنات الحيّة وفي مقدمها الحيوانات، وضرورة التعاطي معها، ومع الغابات والبحار والمحيطات، بصفتها كائنات لها نظامها الحيويّ الخاصّ، ومصيرها على ارتباط وثيق بمصير الإنسان. يحيلنا ذلك إلى الدعوة التي أطلقها عالم الأنتروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي ستروس عندما تحدّث عن ضرورة التفات الحضارة الغربيّة – إذا أرادت البقاء فعلاً - إلى بعض قيَم الحضارات والثقافات التي أبادتها، كثقافة الهنود الحمر في الأميركتَين، ومن تلك القيَم علاقة هؤلاء بعناصر الطبيعة وكيف كانوا يُؤَنْسنُونها ويتعاملون معها.

العيش بشكل متناغم مع البيئة والطبيعة يحتاج، في المقام الأول، إلى إعادة نظر في معنى المبادئ الأخلاقيّة وفي الأنساق التي تحكم علاقة الإنسان بنفسه وبشبيهه. ثمّة من يتساءل: كيف لا يتعامل الإنسان بهذه الشراسة مع الطبيعة ولا يزال استغلال الإنسان للإنسان قائماً منذ أقدم العصور، ولا تزال العبوديّة جزءاً من الواقع اليومي وإن اتّخذت أشكالاً مختلفة عن الماضي، ورغم القوانين التي سُنَّت من أجل إلغائها ومحاربتها؟ من هنا ضرورة الالتفات إلى التفكير السياسي وقواعد العيش المشترك، داخل الوطن الواحد وعلى مستوى العالم أجمع، لا سيّما مع التحوّل السريع للمجتمعات بفعل العولمة والتقدّم التكنولوجي والهجرات الكثيفة. لذا فإن السجال حول القيَم المشتركة، والحياة الاجتماعية الأكثر هدوءاً والأكثر أمناً والأعمق إنسانيّة، لا يستقيم من دون الاعتراف بمجتمع تعدّدي يقوم على التضامن ويؤمن بحرّية الاختلاف وحرّية التعبير والرأي.

أهمّيّة هذا العدد الخاصّ من المجلّة الفرنسيّة هو أنّه يؤكّد على الحاجة إلى العقل والتفكير لفهم العالم، بل أيضاً لإصلاح هذا العالم حتّى يبقى صالحاً للعيش.