روي بدارو

"اللامركزية" خلاصنا الاقتصادي وتجديد لمشروعنا الحضاري

6 دقائق للقراءة
روي بدارو

لم يعد ينفع اصلاح النظام اللبناني المأزوم حالياً بخطوات ترقيعية من هنا او هناك وبارتجال سياسي وفق مستوى الهيمنة والنفوذ والتسلط، ولا بتسويات مرحلية لا تخدم طويلاً وفقاً لأهواء المنظومة وقوة بعض اطرافها بالسلاح وغيره.

ولم يعد طرح التغيير الجذري من المحرمات لا سيما طرح "اللامركزية".

نحن عشية لحظة تأسيسية تاريخية لخلق نموذج حضاري واقتصادي جديد وشامل، يحتم علينا خلق نمو من رقمين (يفوق 10%) سنوياً في مدى 6 الى 7 سنوات قادمة. خلاف ذلك يعني جرجرة الازمات الكارثية التي وقعنا فيها ونتحمل تداعياتها لاكثر من عقدين من الزمن.

كلنا بات راغباً بدولة يجد فيها ضالته بعيداً عن استئثار الدويلة بتقرير مصير البلاد والعباد. نريد الخروج سريعاً من حالات الحروب الكامنة هنا وهناك، واطفاء الجمر، لننعم جميعاً باستقرار سياسي وازدهار اقتصادي على المدى الطويل. وهنا لا نتحدث من زاوية التفتيش عن حكومة ورئيس حكومة، ولا عن تسوية رئاسية جديدة، ولا عن كيفية عودة الاستقرار والتوازن بين اطراف المنظومة. هذه العناوين مجرد تفاصيل ضمن المشروع التحولي "الميتامورفوزي" الجديد.

الحلول التي تفرض نفسها للنقاش من الآن فصاعداً تمر عبر مروحة تبدأ باللامركزية وتنتهي بالاتحادية. ونرد فوراً على من يفهم اننا نسوق طرحاً تقسيمياً انه جاهل ومحرض لأنه يقفز الى الترهيب الفكري باستغباء الناس وزيادة جهلها، ويمارس التهويل الأعمى قبل النقاش البصير. في ما نطرحه افادة للجميع بلا استثناء وخصوصاً للمناطق الاكثر فقراً كالبقاع الشمالي وعكار.

للمثال، وفي مقارنة بين النمو في الدولة المركزية والدولة اللامركزية، نجد تاريخياً أن ذلك النمو في المانيا ودول في اوروبا الشمالية اسرع كثيراً مما هو في فرنسا ودول أخرى في جنوب اوروبا اعتمدت المركزية، بينما دول اوروبا الشمالية اعتمدت اللامركزية فازدهرت أكثر.

ان بين معارضي اللامركزية نجد الاتكاليين، ومن يخاف تحمل المسؤولية ويخشى المحاسبة وغير القادر على تحدي الادارة الفعالة للموارد. كما نجد المتعلقين بالزعيم لاغراض زبائنية ليوزع عليهم بغض النظر عن انتاجيتهم، وما الى ذلك من اسباب تدفع البعض لمعارضة اللامركزية دفاعاً عن مكتسبات ضيقة لجماعات "المركز" على حساب الآخرين. كما ان المعارضين يعتقدون ان سكان المناطق قاصرون عن تعبئة مواردهم وزيادة انتاجيتهم وتنافسيتهم لتعظيم الثروة واعادة توزيعها بشكل عادل، وينصبون انفسهم أوصياء على أهل المناطق الى أبد الآبدين.

في طرحنا، ننطلق من تقدير ان ثلث السكان اليوم ينتجون اكثر من نصف الناتج (55%) وذلك في مناطق بيروت وجبل لبنان وبعض المناطق الأخرى المحررة من هيمنة الدويلة.

في اللامركزية، التي نختصر فيها البلديات في كل قضاء الى 3-5 بلديات فقط، ستتمكن المناطق من تفعيل قدراتها على توليد الثروة وزيادة مساهمتها في الدخل القومي العام ومضاعفة حصة الفرد منه، ومن تلك الزيادة تجبى ضرائب توضع نسبة منها في صناديق مناطقية مشتركة وظيفتها الاولى الانفاق على المناطق الاكثر فقراً، لا سيما على صعد التعليم والصحة والبنى التحتية من اجل خلق فرص العمل المستدامة الحافظة لكرامة الانسان وعيشه. تلك المساهمات لا يجب ان تمر عبر الدولة المركزية كي لا يستأثر بتوزيعها زعماء الطوائف كما يفعلون الآن. فافادة عكار والبقاع الشمالي من تلك الصناديق تحرر سكان تلك المناطق من سطوة الزعيم ومن قدرية البحث عن وظيفة في الدولة عبر الحشو الطائفي والزبائني.

في اللامركزية المنشودة مجالس منتخبة على قاعدة من يطور ويدفع باتجاه الازدهار المناطقي، وعلى اساس المرونة والابداع في الحوافز والتشريعات وخلق البيئات الحاضنة للاعمال لا سيما ذات القيمة المضافة العالية، وبقضاء عصري خاص للأعمال لا سلطة فيه لزعيم او طائفة، بل قضاء مستقل تماماً.

المجالس المنتخبة تخطط للتعليم والصحة والنقل والبنى التحتية وتنفق عليها مما تجبي وتخلق مناخات حرية واستثمار وابداع. بذلك ينشأ تنافس حميد بين المناطق على زيادة حصة الفرد من الناتج، ولا حدود جامدة مغلقة لكل منطقة بل يمكن لأي كان ان يستثمر ويبدع في المنطقة التي يراها مناسبة. وهنا تنتفي السمات الطائفية عن المناطق ويتقدم معيار الانتاج والابداع بعيداً عن فساد ومحسوبية وأتاوات يفرضها هذا الزعيم او ذاك على مجتمع الانتاج كما يحصل الآن. وينتج عن كل ازدهار ثروات ومداخيل للتعليم والصحة والبنى التحتية والخدمات الاساسية من ماء وكهرباء واتصالات وخلافه للمواطن والمقيم. وتفتح آفاق انتاج وبيع وتبادل الخدمات (مثل الكهرباء والماء) بين جميع المناطق. كما يمكن لكل منطقة حق التواصل مع العالم الخارجي ضمن ثوابت نتفق على عناوينها العامة. هذا الطرح براء من أي تفكير طائفي او مذهبي بل يطرح امام اللبنانيين مشروعاً مختلفاً تماماً عن المشروع الحالي الذي وصل الى نهايته التعيسة، والذي افقر الفقراء واعدم الطبقة الوسطى على النحو الذي بات معروفاً بسوئه وكارثة افقاره لنحو 80% من السكان.

طرحنا هذا يعالج معضلة نعاني منها جميعاً وهي ان البلد محكوم الآن بالتقدم بسرعة الأبطأ بينما المطلوب السير جميعاً بوتيرة الأسرع، فتخلق دينامية تنافس حميدة نحو الازدهار المتوازن والمستدام. وهذا التنافس الحميد داخلياً يضع لبنان على خريطة التنافسية الاقليمية والدولية مجدداً بعدما بتنا في ذيل قوائم الدول اقتصادياً، رغم ان نواة مشروعنا الحضاري والثقافي هي الأفضل بما لا يقاس.

مخطئ من يعتقد ان هذا المشروع هو حكر في طرحه على المسيحيين. فالمسيحيون وعبر عقود حصنوا انفسهم، ومنهم من استثمر في الخارج وحصل على جنسيات اخرى كي لا يبقى اسير معادلة هيمنة الدويلة. اذا كان بعضهم اليوم يطرح اللامركزية فانه يضع اسس عودة مهاجرين تركوا البلاد الى ديار الله الواسعة. ففي مشروع كهذا ضمانة جديدة تمنع زيادة الهجرة لا بل تحفز على العودة لتجديد الأمل بوطن لكل ابنائه طيلة مئوية ثانية أكثر ازدهاراً واستقراراً للبنان من المئوية الأولى.

فالمركزية المزعومة اختطفت من زعماء جيروا الدولة لمصالح ضيقة، بينما اللامركزية تفعل فعل العدوى البناءة في الصالح العام المناطقي والوطني عبر عقد اجتماعي جديد، يضمن فعالية الصناديق المشتركة الداعمة للاقل حظوة. وباللامركزية نقضي على الاتكالية واستسهال الاقتراض والاستهلاك ونحفز الاستثمار الخالق لفرص العمل المستدامة، لا سيما التنافسية منها خصوصاً في اقتصاد المعرفة والتقنيات الحديثة مثل الذكاء الصناعي والروبوتات.

هذا المشروع هو للانسان أكان مسيحياً، سنياً، شيعياً، أو درزياً وأيضاً للعلمانيين، يحمل معه قابلية التحول الى مشروع سياسي واقتصادي ضروري للاقليم كما للعالم وغير ملحق بالاقوى فيه، لأن لبنان حاجة انسانية حية وتفاعلية بين الحضارات والثقافات المختلفة، وبامكاننا تحويله الى منصة عالمية جاذبة للطاقات والابداعات والاستثمارات من اقاصي الارض سواء كان اهلها من البوذيين او اليهود.. لمَ لا؟