مجيد مطر

روح الدولة

11 كانون الثاني 2022

02 : 00

وحدها دولة القانون تتيح للمواطن العادي أن يطرح الأسئلة ويتلمس الأجوبة، بحيث يبقى الحد الفاصل بين السلطة والدولة بارزاً، لا خلط بينهما، والحاكم والمحكوم يخضعان لموجبات القانون. الدولة الحديثة فكرة اشمل من السلطة، فهي الوعاء الذي يستوعب الجميع. الشعوب تسعى بداية لبناء الدولة، وبعدها يتم الحديث عن تكوين السلطة، ووضع نظام حكم يعبر سياسياً واجتماعياً عن الانسان فيها.

إن حضور مفهوم الدولة عند "هيغل" قد أتى من شعور انساني خاص به، وتجربة ملموسة بالنسبة اليه، قاده الى فعل المقارنة بين حال بلاده المتخلف، قياساً بما انتجته الثورة الفرنسية، التي أثرت تأثيراً كبيراً في ألمانيا لناحية القوانين وإلغاء الامتيازات الاقطاعية، وتكريس مفهوم الحرية وحقوق الافراد.

الدولة لديه هي أبعد من تنظيم اجتماعي، الدولة هي "الروح" بحد وصفه، وقد تطورت عنده فكرة الدولة لجعلها غاية التاريخ، ولا حرية بدون دولة.

مدعاة هذه المقدمة هي للتأكيد على أن الدولة حاجة، يحملها المواطن في وجدانه، حتى في الوقت الذي يعمل على هدمها، فإنه يناجيها محملاً إياها المسؤولية. هذه هي قوة الدولة بروحها وببديهيتها. حضورها يلفُ كينونة الشعوب ازدهاراً ام انحطاطاً.

وحدها الدولة بمعناها الواقعي قادرة على إعطاء التزامات واضحة، وتتحمل المسؤوليات المتوجبة عليها. وهي بهذا المعنى تصبح مصلحة طبيعية، ما يبرر الصراع فيها وعليها، بكونها مؤسسة المؤسسات.

واللبناني في يومياته يستحضر الدولة في كل تجلياتها، هي تعيش معه في الداخل والخارج، فلا يمكن تجاوزها كحقيقة وجودية، وإن تم نفيها آنياً، بفعل الممارسة المصلحية، وخضوعها لهيمنة الطوائف، التي سرقت دورها الاصيل في الحماية والرعاية، وعلى حساب الدولة نفسها.

ففي ظل استضعاف الدولة، نشاهد صراعاً يومياً بين القوى السياسية الحاكمة، وهو صراعٌ غني بالدلالات الواقعية، التي تؤكد على أن السلطة شيء والدولة شيء آخر، حتى في ظل ضمور الحدود بينهما، بفعل افتقادنا لخامات رجال الدولة، الذين لا يضعون في حال فشلهم اللوم على الآخرين، ويُقبلون على تحمل المسؤوليات الوطنية بوصفها تكليفاً لا تشريفاً، أو امتيازاً محصوراً في عائلة، أو طغمة بعينها.

وما نشهده راهناً من صراع لامسؤول، قد كشف هزال وتهافت الطبقة السياسية، وعجزها عن الغاء منطق الدولة في مقابل تكريس منطق اللادولة، لقد كان انتصارهم موقتاً، ومهما حاولوا التضحية ببقائها، يلاقون الفشل والضياع والعجز عن لعب دور الدولة بالحد الأدنى. إنهم بديل "شمعي" عنها. وما يعانيه الشعب اللبناني من ويلات جراء الازمة الاقتصادية، وتفلت سعر صرف الدولار من كل ضوابط، نراه يصرُّ على التساؤل: أين هي الدولة؟ وذلك في تعبير ضمني عن الثقة بها، حتى في ظل غيابها وفشلها أو تغييبها وقمعها.

فالمواطن اللبناني العادي يشعر بأهمية الدولة، ويقرُّ بشمولية حلولها اذا وضعت الحلول. فزيادة الرواتب تشمل الجميع، والخدمات، على قلتها، تغطي الجميع. ضمانتها في الداخل والخارج غالباً ما تكون مبعث ثقةٍ واقتناع، وهي قادرة على حماية نفسها بقواها الذاتية وعلاقاتها الدولية، وتمسكها بالشرعية الدولية والقانون الدولي، هذا بخلاف الأحزاب والطوائف والجماعات، التي تحاول الهيمنة على دور الدولة والتغول عليها. فمهما كان حجم التقديمات التي يحاولون من خلالها سد النقص او الحاجات الملحة للمواطنين، فإنها ستصيب فريقاً من المنتفعين، وهو الفريق المحظي المقرب من الزعيم، فلا شمولية في الخدمات ولا عدالة في الرعاية، بل محسوبيات وزبائنية، تليق بدويلة لا بدولة. في الدولة فقط تتم صياغة سياسات عامة على الصعد كافة، أما في "الدويلات" فنسق من العبث والارتجالية، وضياع الهوية، وامتهان للكرامة البشرية.

الدولة التي نريد تتكرس فيها العدالة التي ترتبط بالإنسان نفسه، وبركائزه الوجودية. هي الكيان الحقوقي الذي يكرس فيه احترام الكرامة البشرية بالنسبة للفرد والمجتمع، وتحقيق العدالة وسيلة لتقويم دور الدولة بوصفها ارقى ما توصل اليه العقل البشري من ارسطو الى يومنا هذا.

دولة الحق والمؤسسات التي تليق بلبنان وشعبه، وحدها قادرة على بناء هوية وطنية جامعة، الدولة التي تدير التنوع بحيادية في ظل القانون، وتحافظ على التوازنات المجتمعية من خلال السلوك الديمقراطي، الذي يتيح حرية المعتقد والنقاش الذي لا حدود له، وتحترم انسانها كحقيقة مطلقة في هذا الوجود.

انها الدولة التي تعلي من شأن الفرد وتحترم خصوصيته، وتقرُّ بكرامته من حيث تأمين حقوقه، كما عرّفتها وثائقُ الأمم المتحدة على أنها "الحقوق المتأصلة في طبيعتنا البشرية والتي بدونها لا يتسنى لنا ان نعيش عيشة البشر".

بينما رجال السلطة عندما يتحدثون عن بناء الدولة، تنقلب الحقيقة على نفسها، لمجرد مقارنة القول بالفعل. فالدولة تنتعش وتتطور بتداول السلطة، وفصل السلطات، والممارسة الديمقراطية، بينما السلطة تسير بعكس هذا، وتكتفي برفع الشعارات كقنابل دخانية، تغطي من خلالها على جشعهم السلطوي.

فيضعون قوانين الانتخابات التي تناسبهم، فارغة من مضمونها، يحرّفون وظيفتها الأساسية في حسن التمثيل الشعبي، وتسهيل تداول السلطة من خلال انتاج أكثرية متجانسة بنفسها، الى تركيب صفقات ومناورات على حساب الدولة والشعب.

الدولة التي نريد اسمها لبنان السيد الحر المستقل، ذو الهوية العربية المنفتحة على الآخر.

الدولة التي نريد، تلك التي تكون حربها وسلمها بيد مؤسساتها الدستورية، وفقاً لمصالحها، وتحت سقف دستورها، فقط دستورها...

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.