عيسى مخلوف

آني وجوزف أَلْبيرس: الفنّ والحياة

15 كانون الثاني 2022

02 : 00

في العام 1922، التقى الفنّان التشكيلي الألماني جوزف ألبيرس (1888-1976) الفنّانة آنليز فليشمان (1899-1994)، وتزوّجا بعد ذلك بثلاث سنوات. رؤيتهما للعالم كانت الجامع المشترك بينهما، وكذلك اقتناعهما معاً بأنّ الفنّ يمكن أن يغيّر عالمنا بصورة عميقة، وينبغي أن يكون في قلب الوجود الإنساني. فهما يعتبران أنّ الفنّ موازٍ للحياة، وهو طريق لإدراك الذات، ثمّ إدراك العلاقة مع الآخرين. ضمن هذا الأُفق، تقول آنليز، المعروفة أيضاً باسمها المصغَّر آني: "تُعلّمنا الأعمال الفنّيّة ما معنى الشجاعة. علينا أن نغامر ونذهب حيث لم يذهب أحد قبلنا". أمّا ألبيرس فيقول: "تَعلَّم لتتمكّن من رؤية الحياة والشعور بها. إعمل على تنمية مخيّلتك، لأنّ ثمّة روائع مذهلة في العالم، ولأنّ الحياة سرّ وهكذا ستبقى".

تواطؤ هاتين الشخصيّتين في الفنّ والحياة جعلهما أحد العناوين المهمّة لتجربة الباوهاس، المدرسة الفنّية التي تأسّست في مدينة فايمار الألمانيّة، العام 1919، وشكّلت تيّاراً جمع بين الحِرفَة والفنون الجميلة، وترك أثراً باهراً في الفنون التشكيليّة والهندسة المعماريّة والطباعة والحَفر والتصاميم الخارجيّة. لكن، في العام 1933، أغلق النازيّون مدرسة الباوهاوس لاعتبارها تدرّس "الفنّ المنحطّ" ممّا دفع عدداً من العاملين فيها، ومنهم ألبير وآني، إلى اللجوء إلى الولايات المتحدة الأميركية هرباً من النازيّة. ولقد تابعا هناك نشاطهما الفنّي وتجربتهما في حقل التدريس أيضاً، وعمَّقا أسئلتهما من خلال الملاحظة الدقيقة للعالم المرئي والمحسوس والتمعّن فيه. وشكّلا، من خلال عملهما الفنّي والأكاديمي وما أنتجاه من قِيَم تعليميّة، أحد أسس الحداثة في القرن العشرين.

حول هذه التجربة المميّزة التي جمعت هذين الروحين، قدّم "متحف الفنّ الحديث" في باريس، وللمرّة الأولى في فرنسا، معرضاً استعادياً كبيراً يشتمل على أكثر من 350 عملاً فنّيّاً، منها لوحات زيتيّة ورسوم وصور فوتوغرافيّة وأثاث ومنسوجات... تجربة تعكس التطوّر الفنّي لفنّان وفنّانة عملا معاً، كما تعكس الأثر الذي تركته الباوهاس في مجالات فنّيّة عدّة، منذ القرن الماضي وحتّى يومنا هذا. يختصر هذا التيّار توجّهه العامّ في بيانه التأسيسي الذي جاء فيه أنّ "هدف جميع الأنشطة الجماليّة هو البناء، كبنية وتركيب. المهندسون المعماريّون، النحّاتون، الرسّامون، علينا جميعاً أن نعود إلى الحِرَفيَّة... لا يوجد فرق بين الفنّان والحِرَفيّ". هذا البيان الذي نُشر في نيسان 1919، من قبل مؤسّسها المهندس المعماري والتر غروبيوس، ترك صدى في نفس كلّ من آني وألبير اللذين كانا يسعيان، على غرار المدرسة التي انتميا إليها، إلى إقامة حوار متعدّد التخصّصات، يؤاخي بين الفنون المختلفة. وهذا ما كان ينسجم أيضاً مع ما يصبوان إليه على المستوى الفنّي، ويستجيب لتطلّعهما إلى نمط تعليمي يقود إلى الاستقلالية الفردية الإبداعيّة، والتعلُّم من خلال العمل والممارسة، وزيادة الوعي البصري لما يُحيط بنا، وهذا ما مارساه، بصورة عمليّة، أثناء تدريس الطلاّب في المعاهد الأميركيّة.

في الأعمال المعروضة في باريس، نلاحظ كيف كان الفنّان جوزف ألبيرس يولي أهمّيّة كبيرة لخصائص الموادّ التي يستعملها، سواء كانت من الخشب أو الزجاج أو المعدن. إنّ تصميم أيّ نتاج فنّي، بالنسبة إليه، ينبغي أن ينطلق من التعبير الأكثر بساطة والأكثر عمليّة، وفقَ نِسَب ومقاييس دقيقة، ومع الأخذ في الاعتبار العناصر الأساسيّة التي تؤّدّي إلى التوازن والانسجام بين كافّة مكوّناته.

ولئن جمعت الباوهاوس بين عدد من المدارس والتوجّهات الفنّية، فإنها لم تكن تؤلّف نسقاً واحداً جامداً بقدر ما كانت تفتح الأبواب على مزيد من التجريب ومزيد من الحرّيّة، ما يمنح الإنسان أجنحة يحلّق بها أعلى من الواقع المحدود. وهذا ما جذب عدداً كبيراً من مبدعي القرن العشرين إلى الالتفات إليها والعمل ضمن أجوائها، وبعض هؤلاء من روّاد الحداثة في الغرب. تقتضي الإشارة، هنا، إلى أنّ التوجّه الجامع بين الإبداع والحِرَفيّة نجد ما يماثله في بعض حضارات الشعوب، من الفنون المصريّة القديمة إلى الفنون ما قبل الكولومبيّة.

معرض "آني وجوزف ألبيرس/ الفنّ والحياة" يعطي أملاً بأنّ الكلمة الأخيرة لن تكون لهيمنة رأس المال الذي يطبع اليوم الحركة الثقافيّة والإبداعيّة في العالم، بل يطبع حياة البشر على العموم، فثمّة لحظات من البرق لا تزال قادرة على اختراق الظلام مهما اتّسعت رُقْعَتُهُ ومهما تعمَّقت كثافته.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.