سناء الجاك

دربه العسير

3 دقائق للقراءة

تأخر سعد الحريري 14 عاماً عن إعلان إستقالته من منظومة السلطة المتحكم بها «حزب الله» تنفيذاً لأوامر مشغله الإيراني.

تأخر عن خطوة كان يؤمن بها على ما يبدو منذ 14 عاماً، ويؤجلها، لعلّ وعسى..

إختار الدرب العسير..

ملامح وجهه تترجم أهوال دربه العسير.. فقد ابتلعت سنوات إضافية عن عمره الحقيقي ليتمكن من هضم هذه الأهوال.

ليته، بعد السابع من أيار 2008، واجه بغير إتفاق الدوحة إحتلال «حزب الله» بيروت رفضاً للحد من امتداداته داخل مطار رفيق الحريري الدولي وعبر شبكة إتصالات غير شرعية.

ليته ترك الجمل بما حمل ولم يرض بأن يكون رهينة حلمه بإكمال مسيرة والده، وصولاً بالبلاد إلى حيث كانت مشاريع الشهيد تريد الوصول.

حينها، بدأت التنازلات على شكل تسويات، ساهمت بتدجين المنظومة تباعاً وعبر محطات موجعة ومهينة.

حينها، أمعن الطرف الآخر بمطالبته بالكثير، لأن الفرصة سانحة ولأن اللعب على تناقضات اللحظة وحماوتها متاح.

تالياً، كان عليه في كل إستحقاق ان يدفع ثمناً أكبر مما دفعه منذ انخراطه في الشأن العام بعد اغتيال والده.

كان عليه أن يخسر المزيد من الحلفاء من دون ربح بدلاء لهم في المعسكر المواجه، وذلك من دون اغفال الخسارة الشعبية التي كانت ترافق تطورات تعقيدات التسويات، واحدة تلو الأخرى، وصولاً إلى هذا الركام الذي سببته الخسارات المتتالية.

ليته فهم، بعد السابع من أيار والعدوان على بيروت، تمهيداً للسيطرة على لبنان وإلحاقه بالإحتلال الإيراني، أن الهدف الحقيقي من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان ولا يزال اغتيال كل ما يمت اليه بصلة لتحقيق الهدف الأساس من الإغتيال.

ومهما تغيرت الظروف وتبدلت الأوضاع لا يزال العمل جارياً، وبوقاحة لن يوقفها إعلان الحريري أنه علق نشاطه السياسي ونشاط تيار «المستقبل».

فالعاجزون عن إدارة شؤون البلاد، والفاسدون اللاهثون لمزيد من السلطة والنهب والنفوذ، لن يتوقفوا عن تعليق كل خطاياهم على مشجبه.. تماماً كما علقوا فشلهم وقيادتهم البلد إلى الإنهيار على مشجب والده بعد إغتياله.

وأصحاب مشروع الاحتلال الإيراني سيعتبرون أن خطوة العزوف عن الحياة السياسية والإنتخابات النيابية، هي جزء من مؤامرة أميركية/إسرائيلية مدعومة من «عرب الخليج»، لتبرير إمعانهم في رفض المبادرة التي حملها وزير الخارجية الكويتي باسم مجلس التعاون الخليجي، لأن بنودها إنقاذية للبنان، وتشكل خطوة نحو لجم الإنهيار وإستعادة السيادة من خلال تطبيق إتفاق الطائف والقرارات الدولية، وعدم الاعتداء على الدول العربية.

فمرتزقة المحور كانوا يريدون لسعد الحريري أن يبقى حتى يغرقوه أكثر فأكثر، لا سيما أنهم يملكون قدرات تفوق بكثير قدرته وفريقه السياسي على اللعب فوق حبال السياسة المحلية والاقليمية والدولية، كما يفعل «حزب الله» ومن خلفه ممن ينفذ أجنداتهم.

لكنه وفي نضوج للرؤية، وإن بعد 14 عاماً، قرر إيقاف عداد الخسارات. كلامه يؤكد كفره بالمواقف الإيجابية التي أعلنها مسؤولو «حزب الله» تجاهه، وبقيت من دون رصيد لتساهم بإنزلاقه الى خسارات جديدة، بينت الأيام أن لا فائدة ترجى منها.

صحيح أن الرجل هو المسؤول الأول عن خياراته غير الصائبة والتي تسببت له بكبوة بعد أخرى. وصحيح أن كبواته جاءت قاسية وأدت الى ضرر بالغ على اصعدة تبدأ من السعودية ولا تنتهي في عواصم القرار الدولية.. لكن الصحيح أيضاً أن العزوف عن البقاء في المنظومة هو لحظة وعي تحسب للرجل الذي وصل متأخراً إلى حيث يجب.. وذلك خير له من أن لا يصل أبداً.