التطرف الإسلامي... فرنسا الملغومة من الداخل!

7 دقائق للقراءة
لم يتنبه رؤساء مايكل هاربون، منفذ الهجوم على مفوضية الشرطة في العاصمة باريس، إلى نزعته الإسلامية، ما يثبت أن قوى الأمن تجد صعوبة في التعامل مع "أعداء الداخل" حتى الآن.

اتضحت معالم وجه أسوأ كابوس تواجهه الأجهزة الأمنية الفرنسية منذ 3 تشرين الأول. إنه وجه مايكل هاربون، موظف إداري يعمل في مفوضية الشرطة في باريس. اعتنق هذا الرجل الإسلام منذ عشر سنوات وأقدم على قتل أربعة من زملائه وجرح اثنين آخرَين. في مقر مديرية الاستخبارات الخاضع لحراسة مشددة، كان هاربون البالغ من العمر 45 عاماً يتولى صيانة أنظمة الكمبيوتر والمهام السرية الدفاعية. بدا حتى الفترة الأخيرة مجرّد شخص مألوف وكتوم. وفق مصدر مقرّب من المحققين، كان هاربون "شخصية ضعيفة جداً ويعاني من عقدة نقص وإحباط دائم، ولم يكن يلفت انتباه أحد قبل الأحداث الأخيرة. لقد أجرينا تحرياتنا بناءً على الوقائع المطروحة، فراجعنا خط هاتفه ومواده المحوسبة ولائحة اتصالاته. إنه عمل شاق لأن جميع المعلومات المرتبطة به محصّنة". كيف يُعقَل ألا يلاحظ مؤيدو مكافحة الإرهاب الإسلامي تطرف عالِم الكمبيوتر هاربون الذي كان يستطيع الوصول إلى أهم ملفات مديرية الاستخبارات في مقر شرطة باريس، مع أنهم كانوا على تواصل يومي معه؟ لماذا لم يتنبهوا إلى تغيّر سلوكه مع النساء؟ ولماذا لم يترافق كلامه بعد الهجوم على مجلة "شارلي إيبدو" في كانون الثاني 2015 مع أي عواقب؟ يعترف مسؤول بارز في مفوضية الشرطة بصدمته ويقول: "كان يُفترض أن يقدم هذا الموظف التقارير للمسؤولين عنه وأن يخضع لتحقيق إداري".

منذ هجوم العام 2015، يشعر الشرطيون وقوى الأمن بالقلق والذهول لأن عنصراً منهم رفع راية الجهاد السوداء وقدّم معلومات أو أسلحة إلى "إخوته" أو استعمل سلاح خدمته لارتكاب مجزرة. لكن لم يتخيل أحد أن يتم استهداف موظفين آخرين في واحدة من أهم الإدارات المعنية بمكافحة التهديد الإرهابي.

لاستيضاح الوضع، أعلن رئيس الحكومة الفرنسي إدوار فيليب في مقابلة مع "جريدة الأحد" في 6 تشرين الأول أنه كلّف مفتشية الاستخبارات بمراجعة أدوات الكشف عن مظاهر التطرف التي تستعملها مديرية الاستخبارات في مقر شرطة باريس. من واجبها أيضاً أن تراجع الإجراءات المعتمدة في جميع الأجهزة المتخصصة بمكافحة الإرهاب. يصرّ رئيس الحكومة على ضرورة متابعة توحيد الصفوف.

وفق مصدر أمني، "يبقى احتمال اختراق أي جهاز استخبارات وارداً طوال الوقت. تطرح الحركة الجهادية هذا التهديد، وحتى القوى الخارجية". لكن يستثني التحقيق الذي طلبه إدوار فيليب أجهزة الشرطة وقوى الأمن الأخرى، مع أنها تشمل أكبر عدد من العسكريين، وقد تعددت فيها حالات التطرف التي شكّلت مصدر قلق كبير في السنوات الأخيرة: قدّم مساعد أمني سلاحَين إلى شقيقه المتطرف مثلاً، وتورطت الشرطية المساعِدة أحلام الحداد في عمليات تجنيد المجاهدين، وكان زميلها السابق قد أعلن ولاءه لتنظيم "الدولة الإسلامية" في فيديو مسجّل.

على الصعيد الرسمي، تُعتبر حالات التطرف استثنائية، حتى أنها في طريقها إلى الانحسار. خلال الربيع الماضي، شملت الشرطة الوطنية 28 متطرفاً من بين 150 ألف رجل وامرأة. تراجع ذلك العدد اليوم إلى 19. لكن تُضاف إلى هذه الأرقام 30 قضية مغلقة وحالات من التسريح أو إلغاء المهام أو الاستقالة. يعبّر مسؤول في الشرطة عن قلقه من الوضع قائلاً: "في هاتين الحالتَين الأخيرتَين، يتحرر الموظفون من أي مسؤوليات. وما من ملفات لإحصاء عدد الزملاء المتطرفين أصلاً. لذا نتكل على ذاكرتنا وأوراق العمل وتبادلاتنا". في مفوضية شرطة باريس، يخضع 15 عنصراً للملاحقة من أصل ما يفوق 43 ألفاً. في أوساط قوى الأمن، يسجل مكتب مكافحة الإرهاب "أقل من 30 عنصراً" من أصل 100 ألف. لذا يعتبر مسؤول بارز في وزارة الداخلية أن ظاهرة التطرف تبقى "هامشية".

"التقية" أكبر تهديد!

يقول رومان كاييه، مؤرخ متخصص بحركة الجهاد: "يبقى عدد الشرطيين المؤيدين للجهاد ضئيلاً جداً. لكن يرتفع في المقابل عدد المتعاطفين مع الإسلاميين، فيتقرّبون من "الإخوان المسلمين" أو السلفيين أو جماعة التبليغ [حركة أصولية تطرح عظات إسلامية]". لكن يتعلق أكبر تهديد بممارسي مبدأ "التقية" (أي إخفاء المعتقد الديني خوفاً من العواقب)، لأن كشفهم هو الأصعب. حين اعتُقل الشرطي مامادو م. الذي كان يحظى باحترام رؤسائه، أصيب زملاؤه بصدمة قوية. كان "رفيقهم" من النوع الذي يمكن الاتكال عليه، وكان مؤمناً جداً لكنّ أحداً لم يشكّ بأنه غيّر دينه. مع ذلك، عمد مامادو إلى الترويج لتنظيم "داعش" عبر مواقع التواصل الاجتماعي. كان يستعمل اسماً مستعاراً في نشاطاته هذه، حتى أنه سُرّ باغتيال شرطيَين في "ماغنانفيل"، "إيفلين"، في حزيران 2016.


لكن أعلن رئيس الشرطة الوطنية إيريك مورفان، في شهر آذار الماضي، أمام بعثة المعلومات حول الخدمات العامة في مواجهة التطرف: "أصبحنا أكثر جهوزية من الإدارات الأخرى"! كان يشير في كلامه إلى "الإجراءات المشددة" للانضمام إلى سلك الشرطة. يخضع كل مرشّح لتحقيق يجريه خبراء في الاستخبارات الإقليمية لاستكشاف شخصيته وبيئته وعلاقاته ومشاركاته على مواقع التواصل الاجتماعي. هذا ما يحصل نظرياً. لكن في ظل تجنيد أعداد هائلة من العناصر في السنوات الأخيرة، تنحصر إجراءات الاختيار عملياً بـ"غربلة" المرشحين، فتمرّ أسماؤهم في "مطحنة" الملفات. بين 1 كانون الثاني 2018 وربيع 2019، أُقيل ستة مرشحين، في سلك الشرطة وقوى الأمن معاً، بسبب تطرفهم الديني.

بعد هجوم العام 2015، اضطرت الشرطة لإحكام قبضتها على الموظفين الناشطين. يقول مسؤول في الشرطة: "لقد اطلعنا جميعاً على مختلف إشارات التطرف وطلبنا من العاملين إبلاغنا بأبسط شكوك تراودهم". منذ العام 2016، تُحلل لجنة متابعة جميع التقارير وتجمع مختلف أجهزة الاستخبارات، ووحدة تنسيق جهود مكافحة الإرهاب، ومكتب المساعدين الأمنيين، ومديرية توظيف وتدريب الشرطة الوطنية، تحت رعاية المفتشية العامة للشرطة الوطنية. وفق مصدر مطّلع، تتبادل هذه الجهات كلها المعلومات لتقييم الوضع القائم.

الأدلة ضرورية لفرض العقوبات

إذا أكد التحقيق الإداري على الشكوك، يتم استدعاء الشخص المعني من المجلس التأديبي (هيئة مشتركة تقترح العقوبات: توجيه اتهام، استبعاد موقّت، إقالة). لكن يضيف مسؤول بارز: "لا يمكن معاقبة أي شخص بتهمة التطرف. لا بد من جمع أدلة ملموسة تثبت مخالفته لقواعد السلوك، مثل سوء استعمال الملفات أو طرح آراء تسيء إلى المؤسسة على الإنترنت". تُعتبر حالات الإقالة أقوى "سلاح نووي" في الإدارة، لكنها تبقى نادرة. وفق وزارة الداخلية، يقتصر عددها على 6 حالات، منها ثلاثة في مفوضية الشرطة في باريس.

لكن يتلقى أصحاب الصلاحيات في مجال الدفاع السري، على غرار مايكل هاربون، معاملة خاصة. كل سبع سنوات، يخضع هؤلاء لتحقيق شامل على يد الأمن الداخلي. يقول أحد الخبراء: "تم إقصاء عدد من العملاء لأنهم يتواصلون مع أفراد يخضعون للمراقبة". دفع الثمن شرطي مُكلّف بحماية أمن "ريس"، مدير تحرير مجلة "شارلي إيبدو"، فحُرِم من صلاحيات الدفاع السري وأُقيل منذ سنة.

يسمح قانون "الأمن الداخلي" الصادر في تشرين الأول 2017 بإجراء تحقيق إداري حول شرطي أو رجل أمن، أثناء ممارسته عمله، للتأكد من أن "سلوكه لا يزال يتماشى مع وظائفه أو مهامه". كذلك، يخضع الشرطي الذي يُشتَبه بتطرفه لـ"إعادة غربلة"، ما يعني إخضاعه للاختبارات مجدداً، وقد يتعرض للإقصاء بكل بساطة. صحيح أن اللجنة المشتركة المُكلّفة بتقييم الملفات اكتملت، لكنها لا تزال غير ناشطة لأن القرار المرتبط بعملها لم يُعمَّم بعد.

على صعيد آخر، يبدو تطبيق القوانين والقواعد غير فاعل أحياناً. يقول مصدر في الاستخبارات: "تتعلق المشكلة الأساسية بالإحراج الذي يشعر به الشرطي، فيفضّل إخفاء شكوكه وتساؤلاته لأنه لا يريد الإساءة إلى زميل له أو مواجهة العواقب إذا لم تتأكد شكوكه. لكن في هذا القطاع، لا شيء أهم من معلومات البشر. وحدهم الرفاق أو الرؤساء قادرون على رصد أي تغيير: ممارسات متشددة، كلام متكرر عن الدين...". في المقابل، ينسب الشرطيون المشكلة أحياناً إلى تحفظ رؤسائهم، إذ يميلون في بعض الحالات إلى الاستخفاف بالوقائع. يوضح المحامي تيبولت دي مونبريال، رئيس مركز التفكير في الأمن الداخلي: "في سلك الشرطة، كما في الإدارات والمؤسسات عموماً، تسود مخاوف كثيرة في هذا المجال، أبرزها الخوف من اتهامات التمييز العنصري ورهاب الإسلام".