عيسى مخلوف

تجارة الكتُب والمُتاجَرة في الثقافة

4 دقائق للقراءة
تفصيل من لوحة للفنّان الفرنسي Corot

الإعلان عن استعداد مجموعة "فيفيندي" التي تمتلك "إيديتيس"، المؤلّفة من مجموعة دور نشر فرنسيّة، لتَمَلُّك "هاشيت ليفْر" (ينضوي تحتها عدد من دور النشر الأخرى وتنتمي إلى مجموعة "لاغاردير")، كان له وَقعٌ صادِم في أوساط الناشرين والمؤلّفين وأصحاب المكتبات. أصحاب الثروات الصناعيّة الكبرى في فرنسا يكتسحون، أكثر فأكثر، عالم الصحافة والنشر والإعلان والمجالات السمعيّة البصريّة. غالباً ما تكون وسائل الإعلام، بالنسبة إلى هؤلاء، وسيلة لزيادة نفوذهم وخدمة مصالحهم الاقتصاديّة والماليّة، وحتّى السياسيّة. عمليّة الاندماج بين "إيديتيس و"هاشيت" ستضع اليد على النسبة الأكبر من مبيعات الكتب الأدبيّة والمدرسيّة، ولن يكون في وسع الناشر الفرنسيّ بعد اليوم أن يتحرّك، كما الحال حتّى الآن، مع ولادة هذا العملاق الجديد.

الناشر أنطوان غاليمار، رئيس دار "غاليمار" ومجموعة "مادريغال" التي تشتمل على عدد من كبريات دور النشر الفرنسيّة، قال ردّاً على مشروع الاندماج إنّ آثاره "قد تكون سلبيّة على الإبداع الأدبي الفرنسي، لأنّه سيخلق حالة من الهيمنة لا سابق لها في سوق النشر وسيعمّق الهوّة مع دور النشر الأخرى، ومن شأنه أن يضرب التوازن الاقتصادي الذي تقوم عليه حياة الكتاب وتمويل التنوُّع الإبداعي". لاحظ غاليمار أيضاً أنّ الوضع الجديد المُزمَع الوصول إليه في غضون وقت قصير سيكون ضارّاً بالنسبة إلى قطاع النشر بأكمله، ليس فقط من حيث المردوديّة المادّيّة، بل أيضاً من حيث سياسة النشر العامّة ومعاييرها. معنى ذلك أنّ هذا القطاع سيكون عاجزاً عن الحفاظ على تعدّديّته إذا ما استحوذ عليه لاعب واحد. وهذا ما دفع صحيفة "لوموند" إلى الحديث عن هذا الموضوع بصفته "زلزالاً في عالم النشر الفرنسي".

منذ قرابة ربع قرن، درس عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو النظام الاقتصادي العالمي الجديد والسياسات التي توجّهه، وركّز في تحليله على القوى الاقتصاديّة التي تُحكم سيطرتها على العالم في زمن العولمة. في هذا السياق، تطرّق إلى انعكاس المُعطى الاقتصادي على الثقافة، واستشرف، منذ ذلك الحين، الواقع الذي نعيشه اليوم، مشيراً إلى المخاطر التي تواجه الثقافة ولا ينتبه إليها القسم الأكبر من الكتّاب والفنّانين والمثقّفين أنفسهم، أي أكثر المعنيين بها.

لقد كشفَ بورديو كيف أنّ المجالات الأدبيّة والفنّية والعلميّة في الغرب مرّت بمراحل كثيرة لتحقّق شيئاً من استقلاليتها، ولتخلق قوانينها الخاصّة، وهي قوانين تختلف عن تلك الموجودة في العالم الاجتماعي، لا سيّما على المستوى الاقتصادي، ولقد تحرّرت إلى حدّ ما، وفي الكثير من المجالات، من قانون المال والمردوديّة المادّية. غير أنّ هذا التقدُّم لا يعتمد خطّاً بيانيّاً ثابتاً، وقد ينقطع فجأة. وهذا ما حدث بالفعل، ذلك أنّ استقلاليّة الإنتاج الثقافي وتداوله - وهي استقلاليّة لم يكن من السهل التوصُّل إليها – حيال ضرورات الاقتصاد، وجدت نفسها الآن مهدّدة في وجودها نفسه، أمام تدخُّل المنطق التجاري في جميع مراحل إنتاج "السلع" الثقافية وتوزيعها.

مع منطق السوق، والعرض والطلب، يتحوّل كل شيء إلى بضائع. ما لا يتحوّل في هذا الاتجاه لا يعود له وجود. المنتجون لا يعنيهم إلاّ إنتاج السلع الصالحة للاستهلاك والموجّهة إلى أكبر قدر ممكن من الناس، في جميع البلدان، على غرار المسلسلات التلفزيونيّة المسلّية، والحلقات البوليسيّة، والموسيقى التجاريّة، والكتب التي تكتسح الأسواق وتسجّل مبيعات قياسيّة. هكذا، يصبح توزيع هذه المنتوجات هو المعيار الذي يحدّد ما يلزم إنتاجه. بهذا المعنى، لا يعود ثمّة قيمة لأيّ إنتاج لا يُوزَّع على نطاق واسع، مهما كانت قيمته الإبداعيّة وأهمّيته. منطق الربح هذا، وهو بطبيعته ضدّ الثقافة النوعيّة، لا يتهدّد عالم النشر فقط، كما الحال في فرنسا اليوم وبقيّة الدول الغربيّة، بل كافّة مجالات الإبداع والفنّ. وهذا ما يبرّر، وللمرّة الأولى في الأزمنة الحديثة، وعلى مستوى العالم أجمع، هيمنة النتاجات الشعبيّة الأكثر سوقيّة وابتذالاً. والمفارقة البارزة، هنا، أنّ ضحايا سياسة التسليع يساهمون، هم أيضاً، في إنعاشها، ويصبح شعار الثقافة في توجُّهاتها الجديدة: الجائزة لا الرواية، الزَّجَل لا القصيدة، الشُّهرة لا النتاج الإبداعي، الوَجاهة والنجوميّة، الترويج والتهريج... وعلى الدنيا السلام!