عيسى مخلوف

مارسيل بروست رواية باريسيّة

4 دقائق للقراءة

هذا ما روته سيليست ألباريه، خادمة مارسيل بروست وحافظة أسراره في سنواته الأخيرة: "صبيحة أحد أيّام فصل الخريف من العام 1922، بادرني بالقول ما إن دخلتُ غرفته: "سأخبركِ خبراً عظيماً. الليلة الماضية، وضعتُ كلمة النهاية. الآن، أستطيع أن أموت". في الثامن عشر من تشرين الثاني من العام نفسه، رحل بروست تاركاً وراءه تحفته الأدبيّة "البحث عن الزمن الضائع" التي تشكّل إحدى روائع الأدب العالمي.

في حديثه إلى سيليست، بدا الكاتب كم كان قلقاً بشأن الحصول على الوقت الكافي لإكمال عمله قبل الموت. كأنّ عمله هذا هو مبرّر وجوده، وكأنّ حياته كلّها متّصلة بخيط الكتابة الرفيع الذي لا يريده أن ينقطع قبل بلوغ مبتغاه. هذا ما يمكن أن نستشفّه من خلال الكلمات التي تلفّظت بها سيليست في حوار تحدّثت فيه عن أيّامه ولحظاته الأخيرة، ويطالعنا في المعرض المقام حالياً في متحف "كارنافاليه" تحت عنوان "بروست رواية باريسيّة". يركّز المعرض على الموقع الذي تحتلّه العاصمة الفرنسيّة في نتاج الكاتب، ويحتوي على نماذج من مخطوطاته، النُّسَخ الأولى من كتبه، رسائله، سريره، صور فوتوغرافيّة، أفلام وثائقيّة، لوحات زيتيّة تمثّل إحداها وجه والدته وتكشف الشبه الكبير بين عينيها وعينَي ابنها. العين الفسيحة، البيضويّة الشكل، الموجّهة إلى الداخل بمقدار توجُّهها إلى الخارج.

يستحضر بروست في كتابه العاصمةَ الفرنسيّة من بداية الإمبراطوريّة الثانية (1852-1870) حتّى بداية عشرينيّات القرن الماضي. يخلط بين الفترات الزمنيّة، وبين الواقع والمتخيّل في روايته. يتلاعب بخريطة المدينة ويعيد ترتيبها بينما كانت تشهد تغيُّرات كبيرة بين نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. يصف أجساد البشر ليس في المكان والمدى فحسب، بل أيضاً، وخصوصاً، في الزمن، بطريقة لا سابق لها.

حين يتذكّر بروست الماضي، لا يستحضره فقط، بل يعيشه كأنّه حاضر متواصل، بشخوصه وعناصر الحياة اليوميّة، من خلال صوت أو إيماءة أو لون أو مَذاق أو رائحة، كما حدث مع قطعة الحلوى المعروفة تحت اسم "مادلين"، والتي اعتادت عمّته ليوني أن تعطيه إيّاها منقوعةً في الشاي أو الزيزفون. يعود إلى هذه الذكرى في الجزء الأوّل من رائعته الروائيّة، ويبرّر عودته إليها بالقول: "عندما لا يبقى شيء من الماضي القديم، بعد موت الكائنات وتدمير الأشياء، تظلّ الرائحة والنكهة، وهما الأكثر هشاشة لكن الأكثر حيويّة، الأكثر أثيريّة واستمراراً، والأكثر وفاء، تظلّان لفترة طويلة، كأرواح، تتذكّر وتنتظر وتتأمّل، فوق حُطام كلّ ما يبقى، وتحملان، من دون تَراجُع، فوق قطراتها الصغيرة المتعذّر تحسّسها تماماً، صَرْحَ الذاكرة الهائل".

الذي يرى بعينيه ما يختبئ وراء العيون، يحكي عن الوقت العابر والأشخاص الذين يهرمون يوماً بعد يوم وسنة تلو الأخرى، كما يلتفت إلى الجوهر اللازمني للأشياء. "القراءة صداقة"، يقول مارسيل بروست. يصبح صديقاً له كلّ من يقرأه، ويتوغّل في حكاياته وعوالمه، وفي ثقافته الموسوعيّة، وحسّه النقديّ، وذائقته الفنّية والموسيقيّة.

في "البحث عن الزمن الضائع"، لا يتحدّث بروست فقط عن الماضي وأشياء الحياة اليوميّة، ولا يكتفي برصد طبقة اجتماعيّة محدّدة وسلوكها وعاداتها، وإنّما يفصح أيضاً عن موقفه من الحياة والموت، من الغياب والنسيان، من الفنّ والجمال، ومن الحبّ وهشاشة الوضع الإنساني. يقول الراوي في الجزء الأوّل من الكتاب إنّنا نبني حياتنا من أجل شخص واحد، ننتظره طويلاً، لكنّه لا يأتي حين يصبح كلّ شيء جاهزاً لاستقباله! وفي مكان آخر، يردّد: "نعيش مع الذين لا نحبّهم، الذين لم نقبل بأن يعيشوا معنا إلاّ لنقتل الحبّ الذي لا يُحتمَل، سواء تعلّقَ الأمر بامرأة، أو ببلد، أو حتّى بامرأة تختزل بلداً".

في معرض بروست في باريس اليوم، نعثر على أثر هذه المدينة في نتاجه، لكن تقتضي الإشارة إلى أنّ بعض المدن تتكوّن صورتها على مستوى المخيّلة الجماعيّة انطلاقاً من نصوص أدبيّة كُتبَت عنها. يصبح للمدن هويّة أدبيّة أيضاً لا تقلّ أهمية، في صَوغ صورتها، عن الأحداث التاريخيّة التي طبعتها. وبروست أحد الذين ساهموا، من خلال نتاجه، في رسم ملامح هذه الهويّة الأدبيّة للعاصمة الفرنسيّة، واسمه محفور أيضاً على واجهات المباني التي عاش فيها، على غرار عدد كبير من المبدعين في مختلف الحقول. وهذا ما يطالعنا في هذا الشارع أو ذاك من مدينة باريس التي تبدو للمقيمين فيها ولزوّارها بمثابة كتاب مفتوح، ويبدو كلّ حجر فيها صفحة من صفحات هذا الكتاب الذي لا يُستنفَد.