سمر قزي

دعونا من الشعبوية الفارغة

الخصخصة اليوم ومهما كان الثمن!

14 شباط 2022

02 : 00

في عام 2019 ظهرت مجموعة من الخبراء الماليين على تويتر للنظر في الانكشاف الإجمالي للقطاع المصرفي اللبناني على التعثر الحكومي. وطالبوا بإعدام المصرفيين في ساحة الشهداء. تلك المجموعة التي تسمى NERDS تبددت لاحقًا بسبب إهمالها المتعمّد للوضع السياسي في إيصالنا إلى ما نحن عليه اليوم. وأحجمت عن الإشارة الى الطبقة السياسية والوضع الجغرافي - السياسي المحيط بلبنان .

تفنيد الشعبويات... والشيعية السياسية

عاد المحللون الماليون إلى الاقبال على قراءة الأخبار مقابل قراءة تويتر، بعدما كانت تلك المجموعة ضمنت انتشار الكثير من الشعبوية . في حين تمسك البعض بالحقائق، وعمل كثيرون على تفنيد الحجج الشعبوية مثل أنه ليس مستغربا وصول لبنان الى التعثر. وأن "الشيعية السياسية" المتحكمة بلبنان (ضمن المحور الايراني) لا تملك قدرة الوصول الى المال في الاسواق الدولية.

سطوا على الدولة ثم على المصارف والمودعين 

إثر السطو على أصول الدولة اللبنانية لسنوات عديدة، لم يكن لدى السياسيين مكان آخر يذهبون إليه لتمويل عجزهم الضخم . لذا تفاقم الفساد الذي كان يمثّل سابقا 10% الى 50% من الإنفاق الحكومي. مع توقف تدفق التمويل باتت نفس كعكة الانفاق أصغر، ومن هنا حدثت أكبر سرقة في تاريخ أمة، فقد نهبوا الشعب والشعب أعمى! ازداد الفساد إلى مستوى غير مسبوق في السنوات القليلة الماضية. لأنه ببساطة عندما لا تتمكن من الإنتاج وجذب الاستثمارات ولا يمكنك الاقتراض، تتجه الى السرقة لا محالة.

انقطعنا عن الأسواق الدولية ، مع المماطلة في تنفيذ الاصلاحات التي طُلبت من لبنان في مؤتمر سيدر بسبب عدم الاستقرار السياسي، وقام المانحون الدوليون بالتشدد مع مطالبتهم بالإصلاح شرطاً لمنح أموال، عندئذ لجأ النظام غير القادر على إصلاح نفسه إلى سرقة شعبه. هذه هي "الميزة" التي يتمتع بها المحور الايراني لإصلاح ذاته إذا كان يعلم أنه لا يستطيع الوصول إلى أي تمويل!

عندما يتخلف المدين عن السداد ، تطلب البنوك عادةً من المدين إحضار جميع أصوله إلى الطاولة. في هذه الحالة، تخلفت الحكومة اللبنانية عن سداد ديون حاملي السندات الدولية والمصارف المحلية، فحرموا المودعين اللبنانيين من أموالهم. غالبية الديون التي أدت إلى التخلف عن السداد، استحوذت عليها مؤسسة كهرباء لبنان وهي مؤسسة حكومية، بالإضافة إلى كلفة الدفاع عن تثبيت سعر صرف الليرة.

في المقابل ، لا تملك الدولة ابداً عائداً كافياً لتغطية العجز، بل عملت على الاقتراض من البنوك المحلية والمستثمرين الدوليين. ولكن لماذا لم تملك الدولة أبداً عائداً كافياً؟ ببساطة للأسباب التالية: عدم كفاءة نظام الجباية الضريبي، نهب مؤسسات الدولة. فمصادر الدخل الرئيسية للحكومة لم تنتج مالاً كافيا لتمويل الميليشيات والمافيات الحكومية وغير الحكومية. كما أن موجودات الدولة قد استخدمت من قبل النخبة السياسية لتمويل أنفسهم والمقربين منهم ليضمنوا بذلك قطاعا ًحكومياً ضعيفاً ومتضخماً بمجمله وتحت سيطرتهم.

معظم الاصول العامة في وضع سلبي مرير

لذا فإن معظم أصول الدولة في وضع سلبي. التعزيز السلبي (Negative Gearing) هو مصطلح شائع الاستخدام لوصف الموقف الذي تكون فيه النفقات المرتبطة بأصل (بما في ذلك مصاريف الفائدة) أكبر من الدخل المكتسب من الأصل.

لكن من أين حصلت الحكومة على هذا الدخل الإضافي لضمان استمرار عمل الأصول؟ سابقاً كانت تقترض المال فتراكم الدين العام اللبناني حتى باتت قيمته أكثر من 97 مليار مليار دولار مستحقة على كل مواطن للأجيال القادمة. فاذا ما تمت قسمة الدين على عدد الشعب (على سبيل المثال 6 ملايين)، يستحق على كل مواطن لبناني 16 ألف دولار اميركي في دولة قد انخفض فيها متوسط الدخل الى 40 دولاراً بالشهر (880 دولاراً في السنة). مما سوف يتطلب من المواطن العادي 32 سنة لتسديد حصته من الدين العام، أي حياة طويلة الأمد مليئة بالبؤس والفقر.

اذن، هي الدولة التي اقترضت وتعثرت وأفلست القطاع الخاص ل اسيما أكبر دائن لها وهو النظام المصرفي اللبناني. عندما طالب النظام المصرفي الدولة بسداد مستحقاتها بأصولها، سُمعت أصوات الشعبوية على طول الطريق إلى مالطا تدعو الحكومة إلى عدم الانحناء، من باب المصلحة الوطنية. لذا شرعت الحكومة في قتل الدائن "Kill the creditor" أي النظام المصرفي.

إذا اقترضت الدولة نيابة عنك ونيابة عني، وتركت لكل واحد منا 16،000 دولار من الديون للسنوات الـ 32 القادمة، ألا تكون الدولة مسؤولة عن السداد من أصول الدولة التي نملكها أنا وأنت؟ لماذا النفاق بالقول إنه لا يمكن إعطاء أصول الدولة للدائنين؟ عندما تقترض الدولة وتنفق، يفترض أنها أنفقت علينا جميعاً. إذن أليس كل مواطن مسؤولاً عن اعادة سداد الديون؟

ما هي المصلحة الوطنية؟

في كل الأحوال، كيف تحدد المصلحة الوطنية؟ قد يجادلك الشعبويون بأن أصول الدولة مملوكة لكل اللبنانيين، بينما لا يملك كل اللبنانيين حسابات في الجهاز المصرفي. لكن ما الذي نحاول المحافظة عليه بالتحديد؟ مؤسسة كهرباء لبنان هي أصل موجه بشكل سلبي مع ديون تغمرها؟ فلا أذكر أن المؤسسة كانت مربحة في أي وقت! فاذا كانت الثروة الوطنية غير مربحة، اذن ما الفائدة التي تعود بها على المواطن؟ لا شيء على الاطلاق سوى انها تراكم ديون بالنيابة عني وعنك وهذا ما نسميه الدين القومي..

فمؤسسة كهرباء لبنان راكمت على المواطنين 42 مليار دولار ديناً خلال السنوات الماضية. عليي وعليك وعلى كل مواطن أن نسددها. اذن لماذا يحاول الشعبويون ابقاءها في يد الدولة؟ هل لحماية المواطن الفقير الذي يتوجب عليه أن يسدد 16 ألف دولار من الدين القومي. من هنا لا أرى جدوى من هذا الجدل.

في العام 2019، كتبت تغريدة حول موجبات تخصيص قطاع الاتصالات ( يمكن الاطلاع عليها على حسابي على منصة تويتر). وقمت بتقديم موجز يوضح الى ماذا سيؤول اليه القطاع طالما هو تحت إدارة الدولة، حيث ستصل به الحال كما الوضع الراهن في مؤسسة كهرباء لبنان: على الدولة أن تقترض لكي تقوم بالانفاق عليه. وقد وصلنا الى هذا الوضع اليوم، فالأمر لا يتطلب معرفة بالغيب لكي يرى المرء هذا "القطار قادماً". ان قطاع الاتصالات في الرمق الأخير، ويحتاج الى الدعم من حكومة مفلسة.

الخصخصة وخطر الاستحواذ من النخبة

انني من المناصرين لعملية الخصخصة. وقد يبادر البعض الى المجادلة باننا لا نستطيع البيع اليوم لان النخبة السياسية والاثرياء سوف يحصلون على الموجودات بالرخص. ونسوا أنها ذات أثمان بخسة أصلاً ومديونة وموجهة بشكل كبير.

اذن نقوم بإصلاحها ومن ثم بيعها؟ من سوف يعمل على اصلاحها؟ اذا ذات الأشخاص الذين أوصلوها الى هذه الحالة فان الاصول ستبقى دائما من دون قيمة.

ما الفرق اذا كان نجيب ميقاتي أو روبرت ميردوخ من سوف يقوم بشراء الاصول (أملاك الدولة)؟ يفترض أن لديك مشكلة مع ميقاتي كشخصية سياسية وليس كرجل أعمال ومشكلتك هي مع الحوكمة في القطاعين الخاص والعام في بلدك وليس مع نخبة الاعمال. ولنفترض أن كارلوس سليم هو من سوف يشتري شركة الاتصالات وليس ميقاتي، فاي اختلاف سوف يشكل ذلك؟ ومن قال إن سليم سيكون اقل نفوذاً من ميقاتي، لا أن العكس هو الصحيح . لقد وصلت أصول الدولة الى الحضيض وأصبحت عديمة القيمة مقارنة مع القطاعات المماثلة عالمياً، فهي تعتبر اليوم حملاً (عبئا) على كاهل أي مستثمر لذا من الأفضل أن تدار في سبيل الربحية على أن تتم مقايضتها مقابل الدين العام.

وسواء كان ميقاتي أو سليم من يشتري الشركة، فعندما تدار في سبيل الربحية فان المساهمين سوف يكونون مسؤولين عن الخدمة ولديهم مصلحة أن تكون ذات جودة شرط أن لا يكون هناك أي احتكار وضمان هذا الامر يقع على عاتق الدولة والحوكمة الصحيحة.

ونسأل أولئك الذين يعارضون عرض جمعية المصارف الأخير والذي من خلاله تطلب من الدولة نقل موجوداتها لتجديد خزائن موجودات مصرف لبنان كي يستطيع إعادة الدفع الى دائنيه: هل من سبيل آخر أمام الدولة لفعل ذلك؟

ماذا لو بقيت تلك الأصول مع الحكومة؟ هل تثق أن هذه الطبقة السياسية التي تأخذ الأوامر من "الشيعية السياسية"، يمكن أن تسدد ديونها في ظل انعدام فرص التمويل أمامها؟

وهنا تجدر الاشارة الى تغيير تصنيف لبنان في مؤشر يصدر عن "الإكونوميست" العالمية الشهيرة من نظام "هجين" الى "استبدادي" ولذلك علاقة بنفوذ الشيعية السياسية وأساليبها القمعية. ومع الفقر يزداد القمع لاحكام السيطرة على الجمهور الغاضب كما يحصل في سوريا وايران.

لا سبيل لقيام الدولة الّا..

هل تثق أن الدولة التي تم عزلها من سوق المال العالمي وتتحرك بوتيرة شديدة البطء مع طلب أموال شحيحة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بعدما نهبت لان حكامها الجدد (الشيعية السياسية) غير قادرين على الحصول على أموال، تستطيع أن تقوم لوحدها ومن دون أية مساعدة؟ هل تعتقد أن السرقة سوف تنتهي؟ لا بل ستزداد السرقة أكثر باساليب كثيرة ابرزها الموازنة التي تزيد الضرائب على الناس من دون اعطائهم خدمات في مقابلها وهذه هي السرقة بعينها.

وهل تعلم لماذا يريدون إبقاء الموجودات في كنف الدولة؟ ليس لأنها ذات قيمة أو مربحة، لكن لأنهم يستطيعون الاستمرار في نهبها. هكذا يعيش النظام على نهب موارد الدولة ومؤسساتها. ان مصالحهم الوطنية مختلفة عن تعريفك لمصطلح المصلحة الوطنية.

ان الخصخصة بدولار واحد هي دائما أفضل من الاستمرار في تراكم الديون. تسمى استراتيجية وقف الخسارة! استيقظ يا لبنان! اذا لم تصوت لصالح الخصخصة المباشرة للأصول، فربما يجب عليك التفكير في خصخصة إدارة تلك الاصول.


لبنان ضمن المحور الإيراني

ترزح ايران تحت العقوبات ومنبوذة من الأسواق المالية ولا صلة لها بالنظام المالي والمصرفي العالمي. وفي بداية جائحة كورونا طلبت ايران من صندوق النقد قرضا بقيمة 5 مليارات دولار الا ان طلبها قوبل بالرفض. ولا يتواجد في ايران بنك دولي ولا برنامج لصندوق النقد ولا مستثمرون دوليون حيث يحرص الغرب على أن من يقع في هذه الدائرة الجيوسياسية سوف يعاني من تداعيات. فلا يمتزج الدولار الدولي مع المحور الايراني! فهل هذا ما تريدونه للبنان؟

حكومة أم ميليشيا؟

ثمة من يجادل بأن الدين المقدم من الدائنين هو دين غير مضمون؛ فهل الحكومة التي تتخلف عن سداد دين عليها سواء كان مضموناً أم لا، هي حكومة أخلاق أم ميليشيا؟

تستند الأسواق العالمية الى معايير أخلاقية للقيام بالأعمال، فهل يصح أخلاقيا أن تتعثر حكومتنا عن سداد الدين غير المضمون من مواطنيها ثم تقوم بالتلاعب وفق قاعدة «اقتل الدائن»؟