من منّا لا يأتي من مكان آخر، أو يتوق إلى الذهاب إلى مكان آخر، بحثاً عن آفاق جديدة وولادات جديدة؟ منذ القِدَم، تطلّع الإنسان إلى الأفق البعيد، وكان ثمّة حاجة لديه إلى اكتشاف المجهول وبلوغ المستحيل. منذ البداية، تحرّك من مكانه للتعرّف إلى أمكنة أخرى دفعته إليها أهداف عدّة. كان السفر لا يزال في بداياته وفي تمتماته الأولى، مدهشاً وغرائبيّاً ومحفوفاً بالمخاطر، وكان المسافر يعود إلى مسقط رأسه محمّلاً بأشياء وبضائع لم يرها من قبل ولم يكن يعلم بوجودها. هكذا ارتسمَ الاحتكاك الأوّل بين الشعوب، وهذا ما يرصده المعرض المقام حالياً في متحف "اللوفر" تحت عنوان "ما يأتي من مكان آخر".
المعرض رحلة في الزمان والمكان من خلال مجموعة من الموادّ والقطع الفنّيّة النادرة الآتية من عوالم بعيدة. منذ العصور القديمة، جابت السلع والمصنوعات الطرقَ التجارية، ومنها "طريق الحرير" التي شكّلت في الماضي شبكة مترابطة جمعت بين آسيا وأوروبا، وكانت تعبرها القوافل والسفن، ولقد مرّت عبرها البضائع، بما فيها الأصداف والعقيق الأحمر واللازَوَرد والآبنوس والعاج، فضلاً عن التقنيات والأفكار والأديان. هذا التواصل بين الشعوب لم يبدأ مع طريق الحرير، بل بدأ، قبل وجودها بألوف السنين، مع بلاد ما بين النهرين والساحل الكنعاني. نستدلّ على ذلك من خلال الموادّ المتنوّعة التي استعملها الفنّانون آنذاك لإنتاج بعض أعمالهم الفنّيّة. نشاهد، في هذا الخصوص، تمثال الملك السومري "غوديا" المنفَّذ بدقّة عالية، والمصنوع من حجر الديوريت البركاني الأسود (مصدره المنطقة المعروفة اليوم باسم سلطنة عمان)، ويرقى إلى المرحلة الممتدّة بين 2120 و2110 قبل الميلاد. وتطالعنا من مصر القديمة منحوتة تمثّل امرأة واقفة أُنجزَت من خشب الأرز الذي جيء به من لبنان منذ قرابة أربعة آلاف عام. استُعمل هذا الخشب أيضاً في صناعة السفن وفي الهندسة المعماريّة. تكشف هاتان المنحوتتان، والأعمال الفنّيّة الأخرى المعروضة، ما تركته هذه التحف، المتنوّعة المصادر، من تأثيرات فنّيّة لا تزال قائمة حتّى يومنا هذا، كما تكشف عن أعمال فنّيّة عُثر عليها خلال رحلات استكشافية علميّة وأثريّة تضاعفت بين القرن الثامن عشر والقرن العشرين.
في معارضه المؤقّتة، يؤكّد "اللوفر"، الذي يُعَدّ المتحف الأوّل في العالم، على القواسم الثقافيّة المشتركة وعلى تفاعل الفنون عبر العصور. دولة قائمة بذاتها هو هذا المتحف، حتّى لا نقول "دولة داخل دولة" ويُحيلنا هذا القَول إلى وضع لبنان الاستثنائي بين دول العالم. يتألّف "اللوفر" من مجموعات فنّيّة تراكمت منذ مئات السنين، من ثقافات وحضارات مختلفة. هنا تتجاور فنون الشرق والغرب. الفنون الآتية من كلّ مكان تجتمع تحت قبّة واحدة وتكشف للعالم أنّ في مقدور البشر أن يصنعوا شيئاً آخر غير العنف والحروب، وأنّ الجمال متجذّر أيضاً في روح الإنسان، فالرسوم الأولى الموجودة على جدران المغاور ترقى إلى أكثر من 45 ألف سنة في إندونيسيا، أمّا في فرنسا وإسبانيا فتتجاوز الـثلاثين ألفاً.
ختاماً، يتوقّف المعرض عند الجانب الإيجابي لما يأتي من خارج المكان الذي نولد فيه، الجانب الذي ينتصر للتلاقح بين الشعوب، بينما هناك جانب آخر، سلبي هذه المرّة، يحمله معهم الآتون من الأمكنة الأخرى، ويتجسّد في حملات الغزو والفتوحات والإبادات، من أجل استعباد الآخرين فوق أرضهم واستغلال ثرواتهم الطبيعيّة والاستئثار بما يملكون. وهذا ما حدث في حقّ شعوب عدّة، منها الهنود الحمر، إثر اكتشاف أميركا، والشعب الفلسطيني الذي لا يزال يعاني الظلم حتى الآن. في كتاب "الحلم المكسيكي"، يتساءل جان ماري غوستاف لُوكْليزيو، الكاتب الفرنسي الحائز جائزة نوبل للآداب: "كيف كان يمكن أن يكون عالمنا لولا الدمار الذي لحق بالهنود الحمر؟"، ويجيب: "ثمّة مفاهيم في حضارات هؤلاء، خاصّة ما يتعلّق منها باحترام القوى الطبيعيّة والسعي إلى التوازن بين الإنسان والعالم، كان بإمكانها أن تشكّل الرادع الضروري للتقدّم التقني في العالم الغربي، والإنسان الغربي اليوم مدعوّ إلى إعادة ابتكار كلّ ما صنعَ جمال الحضارات التي عمل على تدميرها". إنّه التحدّي المطروح على الغرب وعلى العالم أجمع!