جاد حداد

إكتشاف أكبر مجرّة على الإطلاق

4 دقائق للقراءة

إكتشف علماء الفلك مجرّة ضخمة بمعنى الكلمة. تقع المجرة الراديوية العملاقة "ألسيونيس" على بُعد 3 مليارات سنة ضوئية تقريباً، وتصل مسافتها إلى 5 ميغا فرسخ في الفضاء. يبلغ طولها 16.3 مليون سنة ضوئية، وهي أكبر بنية معروفة من أصل مجرّي.

يؤكد هذا الاكتشاف على قلة فهمنا لهذه الكتل العملاقة والأسباب الكامنة وراء نموها الاستثنائي. لكنه قد يسمح بتحسين معلوماتنا حول المجرات الراديوية العملاقة والبيئة التي تقع بين المجرات وتنجرف في فراغات الفضاء الشاسعة.

تُعتبر المجرات الراديوية العملاقة لغزاً آخر في هذا الكون المليء بالأسرار، وهي تشكّل مجموعة من المجرات (كتلة من النجوم التي تدور حول نواة المجرة وتشمل ثقباً عملاقاً أسود اللون)، بالإضافة إلى تيارات وفصوص تنبثق من وسط المجرة.

تتفاعل هذه التيارات والفصوص مع البيئة الواقعة بين المجرات وتُستعمل كجهاز دوراني تزامني لتسريع عمل الإلكترونات التي تبث الموجات الراديوية.

نحن نعرف اليوم العامل الذي ينتج التيارات: إنه ثقب أسود عملاق وناشط في وسط المجرة. يُعتبر هذا الثقب ناشطاً حين "يلتهم" المواد من قرص ضخم في محيطه.

لكن لا تصل جميع المواد الموجودة في قرص التراكم والمتنقلة نحو ثقب أسود ناشط إلى ما وراء الأفق. بل يتنقل جزء صغير منها من المنطقة الداخلية لقرص التراكم إلى الأقطاب حيث تنفجر في الفضاء على شكل تيارات من البلازما المؤينة بإيقاع يساوي نسبة كبيرة من سرعة الضوء. تستطيع هذه التيارات أن تقطع مسافات هائلة قبل أن تتناثر داخل فصوص عملاقة تنبعث منها موجات راديوية.

هذه العملية طبيعية جداً. حتى درب التبانة يشمل فصوصاً راديوية. لكننا لا نعرف بعد سبب نشوئها بأحجام عملاقة على مقياس الميغا فرسخ في بعض المجرات. تُسمى هذه الكتل مجرات راديوية عملاقة، وقد تكون أكثر الأمثلة تطرفاً أساسية لفهم العوامل الكامنة وراء نموها.

يوضح الباحثون، بقيادة عالِم الفلك مارتن أوي، من "مرصد ليدن" في هولندا، "إذا كانت خصائص معينة في المجرة المضيفة من أسباب نمو المجرة الراديوية العملاقة، يعني ذلك على الأرجح أن المساحات التي تستضيف أكبر المجرات الراديوية تحمل تلك الخصائص أيضاً. وإذا كانت بيئات واسعة ومناسبة لنشوء المجرات الراديوية العملاقة موجودة فعلاً، يعني ذلك أن أكبر المجرات الراديوية الضخمة تقبع فيها على الأرجح".

بدأ العلماء يبحثون عن هذه الكتل المنفصلة في بيانات جمعتها شبكة قياس التداخل الأوروبية "لوفار" التي تتألف من 20 ألف هوائي راديوي يتوزع على 52 موقعاً في أنحاء أوروبا. فأعادوا معالجة البيانات عبر خط أنابيب جديد، وأزالوا مصادر الراديو المدمجة التي يمكن أن تؤثر على رصد الفصوص الراديوية المتناثرة وتصحيح التشويه البصري.

تعكس الصور التي جمعوها أدق معلومات حول فصوص المجرات الراديوية. استعمل العلماء لاحقاً عيونهم، وهي أفضل أداة للتعرف على الأنماط وتحديد مواقع النقاط المستهدفة. هكذا اكتشفوا "ألسيونيس" المنبثقة من مجرة تقع على بُعد مليارات السنوات الضوئية.

يكتب الباحثون في تقريرهم: "لقد اكتشفنا أكبر بنية معروفة قد تنتجها مجرة واحدة".

بعد قياس الفصوص، استعمل العلماء "مسح سلووان الرقمي للسماء" لمحاولة فهم طبيعة المجرة المضيفة، فاكتشفوا أنها مجرة بيضاوية طبيعية نسبياً ومدسوسة داخل خيط من الشبكة الكونية، وهي تشمل كتلة أكبر من الشمس بمعدل 240 مليون مرة تقريباً، ويبلغ الثقب الأسود الضخم في وسطها حوالى 400 مليون ضعف كتلة الشمس.

يعكس هذان المعياران الحد الأدنى من قياسات المجرات الراديوية العملاقة، ما يطرح بعض الأدلة حول أسباب نمو الفصوص الراديوية.

يضيف الباحثون: "بعيداً عن علم الهندسة، تبدو مجرة "ألسيونيس" والكتلة المضيفة لها عاديتَين على نحو مريب: يبقى إجمالي كثافة لمعان التردد المنخفض والكتلة النجمية وكتلة الثقب الأسود الضخم أقل مستوى من معايير المجرات الراديوية العملاقة الوسطية رغم التشابه بينها. لهذا السبب، لن تكون المجرات الضخمة أو الثقوب السوداء المركزية ضرورية لنشوء كتل عملاقة. حتى أن طاقة الراديو العالية لن تكون إلزامية إذا تبيّن أن هذه الظروف تعكس طبيعة المصدر الأصلي على مر حياته".

ربما تقع مجرة "ألسيونيس" في منطقة فضائية أقل كثافة من المعدل الطبيعي، وهذا ما يُسهّل توسّعها. أو ربما يؤثر ذلك التفاعل مع الشبكة الكونية على نمو الأجسام هناك.

لكن بغض النظر عن العوامل المؤثرة، يظن الباحثون أن مجرة "ألسيونيس" تتابع نموها في مكان بعيد وسط ظلمة الكون.