تتصاعد الأزمة الاوكرانية في ظل التوتر الناري السائد على الرغم من محاولة التفاوض التي حصلت بين الطرفين والتي لم تشر الى اي معطيات جدية، فيما العالم لم يعد ينظر الى مطالب بوتين، الذي يبررها بطروحات مختلفة. انما باتت النظرة الى أن تصرف موسكو الاجرامي الناتج عن غزوها اراضي دولة مستقلة في الامم المتحدة، خرق للنظام العالمي الذي بات يعتبره بوتين فاشلاً وقديماً، بحيث تشير تصرفات روسيا بأنها محاولة لتغيير النظام الجديد الذي فرض بعد الحرب العالمية الثانية، وكان ستالين شريكاً في صناعة ذلك النظام.
منذ بدأت الازمة لا يزال بوتين متمسكاً بشروطه التي باتت ثقيلة على روسيا نفسها ويحاول فرض امر واقع بقوة السلاح بعدما رفض الغرب تلبية شروطه التي تهدد الأمن العالمي. هذه الشروط التي يطرحها بوتين لم يتم التوافق عليها في فترة الماراثون الديبلوماسي الاخيرة، ما دفعه الى الذهاب نحو السلاح الذي ليس مبرراً، سوى في تفكيره التاريخي، لان العملية العسكرية التي يشنها الجيش الروسي ضد أوكرانيا هي عملية واضحة لاستعادة أراضي الدولة القيصرية التي خسرتها روسيا، حيث بات واضحاً من خطاب بوتين المتلفز بانه يريد تصحيح أخطاء لينين وستالين، وهو يقوم بعملية تأديب لسلوك قادة أوكرانيا وشعبها لاقامة نظام فيها يحرك من موسكو.
أوروبا الغاضبة من تصرفات بوتين التي تهددها مباشرة عبر الحقل الأوكراني، الذي بات يدفع الثمن غاليا في الدفاع عن أوروبا وقيمها الانسانية والحرية والديموقراطية التي ترى فيها موسكو تهديدا لتغيير نظامها السياسي في حال استمرت الحياة الديموقراطية التي نشأت في كييف، بالرغم من الأخطاء الكثيرة التي لا يمكن احصاؤها. لكن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة السير نحو محاصرة روسيا والوقوف بوجه تصرفاتها غير المسؤولة التي يُمارسها قيصرها.
إن الطريقة الروسية المستخدمة في اعادة الاعتبار لدورها المفقود تعتبر مستفزة للغرب ومهينة له، ما دفع ألمانيا وفرنسا أصحاب المواقف اللينة مع روسيا والتي سمّيت بالمتخاذلة، الى اتخاذ مواقف متشددة والإصرار على تسليح كييف بسلاح متطور جداً. بالطبع الغرب بات يعلم ان التخاذل مجدداً والصمت عن افعال بوتين سيطرق أبوابه عاجلاً أم آجلاً، وبحسب المثل الروسي «الشهية تأتي وقت الطعام».
لا بد من القول إن صمود اوكرانيا انعكس ايجابياً على العالم بحيث باتت صورة زيلينسكي المتواضع الصامد الشجاع في ارضه والمدافع عن بلده، مقابل صورة بوتين الغازي القاتل المحتل المتغطرس. وبذلك، فان صمود الشعب والجيش الأوكرانيَيْن في الدفاع عن أرضهما أجبرت قادة العالم على السير في المواجهة غير المباشرة مع روسيا. ولعبت الفيديوات والتقارير التي تنتشر في كافة الوسائل العالمية دوراً ايجابياً، إذ أظهرت البطولات التي سطرها الأوكران في الدفاع عن مدنهم في كييف وخاركوف وأوديسا وماريوبول وغيرها... وفي الدفاع عن المطارات، خصوصا مطار أنطونوف العسكري، حيث أبيدت الفرقة المظلية الشيشانية وقتل الجنرال الشيشاني محمد توشين.
باتت القوات الغربية التي تسيطر على الأجواء في دول الناتو، تقوم بإعطاء الارشادات لجنرالات الجيش الأوكراني وتحدد لهم الأهداف وتزوّدهم بالسلاح والصواريخ. واكتشفت الاستخبارات الاميركية المخطط منذ البداية، على الرغم من نكران روسيا المستمر، وبدا أن حلف الناتو يتباطأ في المواجهة في البداية وبوتين يستعرض العضلات، لكن المعادلة انقلبت وبات الروس يتلقون الردود الميدانية في اوكرانيا، والناتو يستعيد زمام المبادرة لوجستيا ويضغط ديبلوماسياً وسياسياً.
لا شك ان الحرب قذرة وتستخدم فيها كل الوسائل لتحقيق الأهداف التي رسمت لها، لكن لنترك كل الاحاديث والاخبار والتحاليل القريبة من هذا الطرف او ذاك جانباً، فالمسألة معقدة جدا، إذ إن هناك حرباً بدأت تخاض بطرق غير عادية مهمتها رسم خريطة جيوسياسية جديدة في أوروبا والخروج من النظام العالمي السابق، وهذا ما أكده بوتين في خطاباته وتعليقاته التي عبّر فيها عن وجهة نظر مرتبطة بعملية التغيير. فالحرب ما هي إلا سلاح القوة الخشنة التي تحاول روسيا فرضها على العالم بعد ان فشلت الديبلوماسية وطرقها، لان موسكو لا تستطيع خوض حرب ناعمة كونها لا تملك من الحوافز لتقديمه للآخرين من اجل لعب دور ريادي في اوروبا.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل يعطي بايدن بوتين ما رفض اعطاءه في ايام المفاوضات بقوة النار، خصوصا ان موسكو تحاول طرح فكرة الحوار المشروط وتدعو الرئيس الاوكراني اليه؟ لكن المفاوضات فتحت اطاراً آخر لاستمرار الحرب اكثر فأكثر لتحسين شروط التفاوض للطرفين. كما يبدو ان روسيا دخلت في مستنقع من الصعب ان تخرج منه متعافية في ظل هذه العقوبات والجو العلني المضاد ضدها وضد تصرفاتها.
وهنا لا بد من الاشارة الى ان الصين مؤهلة للعب دور الوساطة من اجل اخراج روسيا من الازمة. كذلك، هناك تأثير للشارع الروسي والاعتراض الداخلي، بمن فيهم الأوليغارشيون، المؤثرون في محيطهم سياسياً واجتماعياً، إذ إن دورهم لا يقتصر على جمع الثروات المالية، بل بات يتحتّم عليهم لعب دور سياسي ضاغط ذات تأثير في المجتمع وليس سرقة الأموال وتكديسها في الخارج وعدم إغضاب النظام الحاكم.