عيسى مخلوف

العالم على شَفا سَديم

4 دقائق للقراءة
لوحة للفنّان الإسباني غويا

كم يبدو هشّاً التقدّم الذي أحرزه الإنسان في القرون والعقود الأخيرة. رصاصة واحدة ويظهر فجأةً الوجه الآخر كاشفاً عن مخالبه واستعداده للنَّهش. والمقصود به، هنا، هو النّهش البشري حين تصبح المائدة مفتوحة والوليمة من لحوم البشر.

أَإلى هذا الحدّ، لم يتمكّن الإنسان من ترويض غرائز العنف في نفسه والخروج من الأزمنة البدائيّة السحيقة؟ تُرى، ما الذي يفسّر هذا العجز، ولماذا لم يتمكّن منذ ألوف السنين من تدجين طاقات العنف وتحويلها إلى شيء آخر مختلف تماماً؟ لماذا لم يتعلّم أمثولة واحدة من حروبه العبثيّة وويلاتها؟ أين هي أصوات الائتلاف بدلاً من أصوات الاختلاف؟ أم أنّ السؤال المُخيف والأصحّ هو ذاك الذي طرحه نيتشه: "أليست الكلمات والأصوات أقواس قُزَح ومظاهر جُسور بين الكائنات فحسب، الكائنات المنفصلة عن بعضها إلى الأبد؟". وإلّا ما الذي يفسّر وجود هذه الترسانة العسكريّة الهائلة التي تحمي بها كلّ دولة نفسها، وهذه الأسلحة التي تتطوّر، بمقدار ما يتقدّم العلم والتكنولوجيا، وتصبح أكثر فتكاً، بل تهدّد بفناء الجنس البشري نفسه وجميع الأجناس الحيّة الأخرى.

لقد برهن الإنسان أنّ في مقدوره أن يبني ويبتكر ويُبدع، لكنّه يستطيع، في الوقت نفسه، أن يدمّر ويُبيد ويقترف أبشع الجرائم. التقدّم العلمي مزدوج ولا ينطوي على منافع فقط. لدى اندلاع العنف والحروب، لا يعود التقدّم الذي أحرزته البشريّة على مرّ العصور أكثر من قشرة رقيقة يتلطّى خلفها ليلُ الذئاب. يستعدي واحدنا الآخر، بل نستعدي أنفسنا في أحيان كثيرة. أحقاد، دسائس، مؤامرات، انتقام وثأر، حروب أهليّة وحروب بين الدول والقبائل والإتنيات والأديان المختلفة. ذلك كلّه لا ينفي وجود نَزَعات إنسانية ومساع متزايدة إلى التضامن، لكنّها تصطدم دائماً بالعداوات والأطماع والتعصّب المميت.

القابضون على المصير ينظرون إلى النزعة الإنسانيّة بصفتها شيئاً عفّى عليه الزمن، تماماً كما يتعامل المال المنتصر مع الشعر والفكر النقدي والفلسفة والعلوم الإنسانيّة، بل والإبداع بشكل عامّ! نحن لسنا مُنَزَّهين عن الخطأ، وكلّ منّا يحمل في نفسه تناقضات ونَواقص، غير أنّ الذين يصلون إلى السلطة هم، في الغالب، تجسيد لأسوأ وأَحَطّ ما في النفس البشريّة. مع هؤلاء، ومع غلَبَة الشأن الاقتصادي على ما عداه، تترنّح الأرض تحت وطأة مشاكل تتزايد عاماً بعد آخر. يتزايد التصحُّر والتلوّث البيئي واجتثاث الغابات، وكذلك الاحتباس الحراري الذي يهدّد بذوبان الجليد القطبي وانتشار الأوبئة. وما زال العلماء يحذّرون من موجات جديدة من الأوبئة في حال ظلّت الأمور سائرة وفق النهج ذاته. لم تميّز جائحة كورونا، التي لم تنحسر نهائيّاً بعدُ، بين دولة وأخرى، وهي من الجائحات التي تتطلّب مواجهتها تعاوناً وتضامناً على المستوى العالمي، بينما العالم يهتزّ وينقسم مع بداية حرب جديدة، وثمّة من يلوّح فيها بالرعب النووي. يقول الكاتب الإسباني ثربانتس، الذي عاش بين القرنين السادس عشر والسابع عشر: "كلّ شيء يُباع وكلّ شيء يُشتَرى في هذه الإمبراطوريّة العنيفة بأكملها، وكلّ ما فيها يَشي بأنّها لن تدوم أبداً".

الثقافات والحضارات الماضية لم تكن تنطوي فقط على إيجابيات وفضائل وتراكُم معرفي وتجارب مهمّة، بل كانت أيضاً مُخترَقة، في جوانب منها، بأشكال كثيرة من العنف. ولن تتحضّر البشرية فعلاً، ولن تصبح وطناً مسالماً للجميع، إذا لم تتخلَّ عن وجهها العنيف هذا، وإذا لم يتوقّف استغلال الإنسان للإنسان.

الهويّة الإنسانيّة لا تلغي الهويّة الخاصّة، بل تمدّها بقوّة وعمق. الخصوصيّات الثقافيّة ينبغي ألاّ تدحض البُعد العالمي الجامع بينها. نحن بشر قبل أن نكون من هذا الوطن أو ذاك، من هذه الطائفة أو الإتنية أو التوجّه السياسي. أيّ معنى يبقى للمبادئ والأديان والأفكار كلّها في حال تخلّينا عن الجوهر الإنساني، ونسينا، في خضمّ صراعاتنا والمشاكل، أنّنا لسنا حيوانات ضارية تتحيَّن الفرصة الأولى لتنقضّ على مَن يشبهها وتمزّقه وتمعسه مَعساً؟ نحن في مرحلة مفصليّة يتحدّد خلالها مستقبل الإنسان على الأرض. مرحلة تتأرجح بين قوى ظالمة عمياء تحرّكها نوازع انتحاريّة، وقوى أخرى تهجس بالسلام والعدل والحرّية، وهذا ما يَفترض الحسم ويستدعي بالضرورة، الآن قبل فوات الأوان، أَنسَنَة العالم الذي يقف على شَفا سَديم.