إنتهيت لتوِّي من قراءة كتاب Le déclassement français، الذي نقلته إلى العربية، بحرفية عالية من خلال المحافظة على نصِّه الفرنسي، باسكال ولورين إيليا قديح.
الكتاب صدر في فرنسا في منتصف كانون الثاني الفائت، لمؤلفَيْه Christian Chesnot وGeorges Malbrunot.
يقع في 340 صفحة، وكذلك النسخة العربية، أقل ما يُقال فيه إنه يعرِّي الطبقة السياسية في لبنان، ويشكِّل مضبطة اتهام لها، لكن أهمّ ما في الكتاب أنه يكشف بعض جوانب «التواطؤ في الفساد» بين السلطات اللبنانية، وبعض السلطات الفرنسية، في حقبات معيَّنة.
بصراحة، وجدتُ صعوبةً بالغة في الاختصار، فالكتاب يُقرأ من الغلاف إلى الغلاف، ولعلّ الطريقة الفضلى في الكتابة عنه هي في اقتباس بعض ما ورد فيه، لكن ذلك لا يمنع من القول إن الكتاب شكل «مضبطة اتهام» للسلطات التنفيذية المتعاقبة ولا سيما من مؤتمر»سيدر» إلى اليوم.
يرِد في مستهلّ الكتاب أن مالبرونو أجرى مقابلات مع 15 شخصية لبنانية، أورد أسماءها، ومع آخرين اشترطوا عدم ذكر أسمائهم.
يبدأ الفصل الأول من الكتاب بتساؤلات صادمة، منها:
ما هو البلد الذي يمتلك فيه البنك المركزي أسهماً في الكازينو؟
والذي كان رئيس وزرائه يولِم على شرف موظفي الإليزيه كل سبت ولمدة عشرين عاماً؟
ليجيب: «هذا البلد العجيب ما هو إلا لبنان».
يروي الكتاب كواليس اجتماع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالقادة اللبنانيين في قصر الصنوبر، فيكشف أنه عندما وصل الرئيس ماكرون قرب محمد رعد، نقل إليه الأخير سلامات رئيسه حسن نصر الله.
«أبلغته بأنني أتمنى له كامل النجاح في مهمته». أسرَّ لنا محمد رعد لاحقاً.
«أعتمد عليكم لمساعدتنا وإنجاح مهمتي» أجابه ماكرون قبل توجّهه إلى مقعده.
بعينِ المراقِب الثاقبة، يصف مالبرونو مشهد الزعماء حول الطاولة، فيقول: «كان سعد الحريري يراقب نظر جبران باسيل في حين كانت عين سامي الجميل تلتقي مع عين سمير جعجع الذي كان يحدّق بدوره بمحمد رعد.
يصل مالبرونو إلى قمة الجرأة بأن ينقل ما قاله ماكرون للمجتمعين حول الطاولة: «أنا أعلم، الكل يعلم أنكم قبضتم الأموال».
وفي حديث جانبي، قال ماكرون لمحمد رعد: «برهنوا أنكم لبنانيون، الكلّ يعلم أنكم تنفذون أجندة إيرانية».
قضية مرفأ بيروت وتشغيل الحاويات التي أثيرت منذ أسبوعين، يكشف مالبرونو أن «حزب الله» وافق عليها عند مجيء ماكرون إلى بيروت، فيقول: «أوضح محمد رعد أن حزب الله لا يعترض على تولّي فرنسا من خلال شركة CMA CGM إعادة إعمار مرفأ بيروت، وأفاد مصدر مقرّب من التيار الشيعي، على ما يبدو أنه لم يكن من قبيل الصدفة تواجد رودلف سعادة رئيس CMA CGM بين المدعوّين الذين كانوا على متن طائرة ماكرون.
ويكشف مالبرونو: «شخص آخر غريب عن قصر الإليزيه أخذ مكاناً في طائرة ماكرون، هو المصرفي وصديق الرئيس، سمير عساف.
يراه الفرنسيون حاكم مصرف لبنان المستقبلي، خلفاً للرجل الفولاذي رياض سلامة».
ماكرون كأنه ينعي المعارضة، فينقل عن كريم إميل البيطار: « قال لنا (ماكرون)، تدورون في حلقة دائرية مفرغة».
وفي مكان آخر من الكتاب، هناك تقييم للمعارضين والثورة: «هم صورة مصغرة عن لبنان، لا يتوقفون عن تبادل التهم، جاهزون للحديث عن الثورة نظرياً، أما عند التطرق للأشخاص:
«آه، لا ليس هذا، ليس ذاك» كانوا يتشاجرون.
يتحدث الكتاب عن جبران باسيل فيقول: « قد يكون جبران باسيل، وزير الخارجية السابق وصهر الرئيس عون الذي يسعى لخلافته، في مرمى الفرنسيين الذين يلومونه لقربه من حزب الله».
في هذه العجالة، يستحيل إيراد كلّ ما ورد في الكتاب الذي يؤرِّخ لمرحلة من أخطر المراحل التي مرّت على لبنان: انفجار أو تفجير المرفأ. كما يعود إلى مرحلة «الحريرية السياسية» مع صعود نجم الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
إنه كتابٌ لمراقِبٍ فرنسي، منذ ربع قرن لم يصدر كتابٌ بأهميّته لجهة تعرية الطبقة السياسية اللبنانية ومسؤوليتها في انهيار البلد.