قال معلق روسي أن معارضي غزو بلاده لأوكرانيا هم من الفاسدين الذين يتعاملون مع السفارات، وتحديداً السفارة الأميركية. وهم كانوا قد نسجوا علاقات معها أيام الرئيس السابق بوريس يلتسين الذي كان يخضع بالكامل لإرادة الولايات المتحدة.
ولا يهم إن كان بين هؤلاء المعارضين سبعة آلاف باحث وأكاديمي روسي وجهوا رسالة مفتوحة إلى الرئيس فلاديمير بوتن، للاحتجاج «بشدة» على الحرب في أوكرانيا ممن يعرَّضون أنفسهم للملاحقة والاعتقال.
المهم أن البرلمان الروسي بدأ هذا الأسبوع مناقشة مشروع قانون يشدد العقوبات ضد منتقدي الحرب في أوكرانيا. وذلك مقابل العقوبات المرتقبة على روسيا عالمياً.
فأي إجراءات من الخارج ستقابلها إجراءات أشد وطأة في الداخل، حتى يتعود الروس على تغيير نمط حياتهم الذي اكتسبوه بعد انهيار الإتحاد السوفياتي. والحجة هي مساعدتهم ليتمكنوا من المواجهة.
لم يكن ينقص إلا أن ينصحهم المروجون للغزو بالزراعة على الشرفات، ويدعونهم للتوجه شرقاً، لا سيما بعدم هبوط الروبل الروسي إلى مستويات منخفضة قياسية جديدة، مقابل الدولار. فالواضح أن هناك وحدة حال بين أصحاب الطموحات التوسعية. لديهم التبريرات ذاتها بمواجهة الإمبريالية على حساب شعوبهم والشعوب التي لا تجد بدّاً من النزوح تجنباً للموت.
فما يحصل في أوكرانيا شهدنا ما يشبهه في سوريا. وتبعات الغزو على الشعب الروسي لن تختلف عن تبعات تمدد «حزب الله» وتسخيره الاقتصاد اللبناني وإفقاره الشعب اللبناني خدمة لمصالح مشغله الإيراني، الذي بدوره يسخِّر كل مقومات الحياة في بلاده ليمول أذرعه وينفذ أجندته.
وحدة الحال هذه لا تعتمد إلا القوة والقمع ليصل أصحاب الطموح إلى حيث يريدون، وتحديداً ما يريدون من الولايات المتحدة، التي بدورها تستثمر في الفوضى العالمية وفقاً لمصالحها.
وما يريده بوتين لا يختلف كثيراً عما يريده النظام في إيران. ولم يكن يختلف عما أراده حافظ الأسد، وحصل عليه في أحيان كثيرة، لا سيما في مهادنته إسرائيل وعدم التعرض لها، ليبقى في السلطة، وإلى الأبد، مصادراً إرادة الشعب السوري وحقه بالحرية، وابنه من بعده.
أصحاب المشاريع التوسعية، ولتحقيق هدفهم هذا، غالباً ما يعمدون إلى تخريب الدول الضعيفة بغية الحصول على اعتراف بالندية من الولايات المتحدة، وفي أضعف الإيمان يرضون بوكالة حصرية منها تتيح لهم التصرف على هواهم في التوسع وبسط النفوذ، مقابل تأمين مصالح القوة العالمية العظمى.
وبالطبع لا تتوقف مشاريع أصحاب الطموح عند التفاصيل التافهة المتعلقة بنسبة الفقر والبطالة وقيمة صرف العملة الوطنية وانهيار المؤسسات الرسمية لصالح الأذرع والميليشيات والمؤسسات الموازية، التي ترتبط فقط بمشغلها بمعزل عن القوانين المحلية والدولية، وبمعزل عن الدساتير التي توضع في الأساس على قياس أصحاب الطموح، بحيث تقضي على أي فرصة ديموقراطية للتغيير، فلا يترك لهذه الشعوب المنكل بها إلا الاحتجاجات التي تُقمع بزهق الأرواح والاعتقالات وما إلى ذلك من وسائل تجد من يبررها ويشرعنها ويعتبرها شؤوناً داخلية وسيادية، وغير مسموح لأي كان أن يتدخل بها.
والأهم، أن مسألة التوسع خارجياً تتطلب التفرد بالقرارات داخلياً، وذلك لأن تمويل هذا التوسع يتم باستخدام المال العام. أي أن الشعوب التي يجب أن تجوع وتفقر وتُقمع ويتم تخوينها ودفعها إلى التطرف وتتم تصفية من يحركها لتنتفض، هي التي تموِّل الحروب.
فالمال العام وثروات البلاد وموادها الأولية كلها في خدمة أصحاب المشاريع التوسعية، وكل همهم الوصول إلى نفوذ مشابه لنفوذ الشيطان الأكبر، وبموافقته، وإذا تعذر ذلك، حينها وحدة الحال تنتهج مسارات الغزو والتهديد بالأسلحة النووية.. وتخصيب الخوف والدمار والإطاحة بأمان الشعوب..