خالد العزي

الصين والحرب الروسيّة في أوكرانيا

5 دقائق للقراءة
خلال لقاء الرئيسَيْن الصيني والروسي في بكين في 4 شباط 2022 (أ ف ب)

لا شك في ان الحرب الاوكرانية الروسية وضعت الصين في الحياد الإيجابي الذي بات يشكك في دورها العسكري بحيث اتضح أن الدعم كان بالأقوال أكثر منه بالأفعال لموسكو، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الروسي من صعوبات شديدة في تخطي العقوبات التي تفرض عليه كل يوم، وربما تمتثل البنوك الصينية في الغالب للعقوبات التي فرضها الغرب.

لذا تكتسب هذه الأحداث اهمية خاصة للعلاقات الثنائية الروسية الصينية في ضوء الحرب في أوكرانيا. حيث بات موقف بكين الرافض لهذه الحرب شبه اكيد لجهة عدم تأييدها موسكو في هذه المغامرة بل تدعوها للتوقف والتخلي عن عقلية الحرب الباردة والجلوس الى طاولة المفاوضات للوصول الى صيغ واتفاقات تحمي امنها القومي.

إذاً بات واضحاً ان مسار العمل الذي ستتخذه بكين سيكون بالتوجه نحو الحياد والنأي بنفسها عن الحرب نظراً لاعتمادها على فلسفة تحقيق السلام الكامل في العالم واقتناعها بان المنافسة الاقتصادية هي الطريق الوحيد للسيطرة وفرض القطبيات المتعددة في عالم السياسة الدولية الجديدة، بمعنى السير بنهج الجيواقتصادية والجيوستراتيجية لبناء جيوبولتيك عالمي.

لذلك لا يمكن لبكين أن تقدم لبوتين دعما أكبر مما قدمته خلال الأزمة الأوكرانية الأولى. هذا الدعم سيكون محدوداً، وستبقى بكين على مسافة معينة من موسكو. العلاقات الاقتصادية مع أوروبا وأميركا الشمالية أهم بالنسبة للصين من الصداقة مع روسيا نتيجة الارتباط الاقتصادي للشركات الصينية مع الخارج ونظام العمولات العالمي.

بالرغم من الإشارة إلى وجود تنسيق وتقارب سياسي وعسكري بين روسيا والصين، لأنّ موسكو تزوّد بكين بأحدث أسلحتها مثل نظام الدفاع الجوي «أس 400» وطائرات «سو 35»، ومشاركة روسيا في إنشاء نظام دفاع صاروخي صيني.

بالإضافة الى ذلك، تقوم جيوش البلدين بإجراء مناورات مشتركة. والدافع وراء إنشاء هذا التحالف الروسي الصيني هو أن كلّاً من موسكو وبكين تعتزمان إخراج الولايات المتحدة من مناطق مصالحها الجيوسياسية. لقد أشار كل من موسكو وبكين بانتظام إلى أن إنشاء مثل هذا التحالف ليس على جدول الأعمال، زاعمين بأن العلاقات الروسية الصينية كانت بطبيعتها «شراكة استراتيجية».

فاذا كانت هناك أهداف مشتركة عدة تجمع البلدين كون بكين تفكر مثل موسكو بان خصمهما الرئيسي هو الولايات المتحدة. وتعملان على تطوير شبكة من التحالفات العسكرية لإخراج الولايات المتحدة من مناطق نفوذهما، فهذا الأمر ينبغي أن يقلق الغرب، وفقا لمؤشر قوة النار العالمية، بحيث تمتلك الولايات المتحدة أقوى القوات المسلحة في العالم، وروسيا والصين في المركزين الثاني والثالث. لكن التحالف العسكري بينهما غير ثابت.

لذلك ليس من الواضح تماماً في هذا الصراع العسكري إن كانت القوات الصينية والروسية ستعمل معاً، لأن حقيقة مشاركة جيش التحرير الشعبي بشكل قوة استكشافية في الأعمال العدائية في أي من الاتجاهات الاستراتيجية الغربية غير مرئية. ومن الصعب حتى تخيل الأهداف العسكرية والسياسية بمشاركة الصين في حرب من هذا النوع.

إذاً من الصعب جداً تخيل صراع عسكري حقيقي حيث تقاتل القوات المسلحة الروسية وجيش التحرير الشعبي الصيني، كجزء من مجموعة تحالف للقوات تحت قيادة قائد عام واحد من أجل بعض الأهداف المشتركة، لان مثل هذا التحالف العسكري سيتم تكليف روسيا فيه بدور ثانوي فقط، بالنظر إلى الإمكانات الاقتصادية والعسكرية البعيدة عن التوازن لكلا الدولتين. حتى الآن، لا يوجد حديث عن تشكيل قوات مسلحة مشتركة في تحالف عسكري افتراضي بين روسيا والصين. علاوة على ذلك، لا يوجد حتى الآن مثل هذا الهيكل الذي من شأنه أن يدعي دور لجنة التنسيق.

لقد أدركت روسيا والصين سابقاً أن الولايات المتحدة اليوم غير قادرة على تعبئة قواتها العسكرية لصراعين متزامنين في أجزاء مختلفة من العالم. لكن المعطيات حتى الآن لا تزال خارج كل التصورات حيث باتت بكين تحاول لعب دور الوسيط المحايد في هذه الازمة الجديدة للاستفادة اقتصادياً من علاقاتها مع موسكو وبنفس الوقت عدم الدخول في صراع مع واشنطن.

لكن المشهد السياسي العام الاخير اثبت ان التحالف بين روسيا والصين غير قائم، لان الصين لم تعترف بضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا وبالجمهوريتين الانفصاليتين في دونباس التي اعترفت بهما روسيا قبل حدوث الحرب الاخيرة، إضافة الى تريث في موقف الصين الحيادي الإيجابي من غزو أوكرانيا.

لقد فهمت الصين من سياسة الولايات المتحدة الحالية والتعاطي مع الأزمة الاوكرانية انها تسعى إلى استخدامها كورقة سياسية تهدف للضغط على الأوروبيين وتأديبهم لتخليهم عن تطوير الترسانة العسكرية لديهم والدخول بدلا من ذلك في شراكة اقتصادية ومالية مع موسكو من جهة.، واغراق روسيا في المستنقع الاوكراني واستنزافها اقتصادياً من جهة أخرى.

لذلك تعمل الاستراتيجية الاميركية على التفريق في التعامل مع الصين وروسيا، حيث تتعامل واشنطن مع موسكو من خلال سياسة الاحتواء بطريقة الضغط بالعقوبات والحوار، ومع الصين من خلال التنافس الاقتصادي. وبالتالي، يمكن ابعاد روسيا حالياً عن المشهد، خصوصا بعد العقوبات وتشكيل جبهة عالمية ضدها وعزلها دولياً وانهاكها في حرب الاستزاف التي ستطول لفترة طويلة، حتى لو كانت النتيجة تدمير أوكرانيا كلياً.