رهيبة هي السينما. حتى عندما تعيدنا الى الوراء، تجعلنا نتقدم الى الأمام وكثيراً.
جميلة هي السينما. حتى عندما ترجعنا الى الزمن "البشع"، تحقق لنا إنجازات "حلوة".
رغم كل ما مر به لبنان من حروب وأزمات، تربعت سنة 2021 على عرش البشاعة، وتحوّلت على كافة الصعد والمجالات، فيلماً سينمائياً كوارثياً راعباً، أبطاله نحن الذين لا حول لنا ولا قوة حتى على فرح أصبح عملة نادرة أكثر بكثير من الدولار المفقود. ولكن كما في معظم الأفلام الكوارثية التي يبزغ فيها الفرج فجأة من حيث لا ندري، كانت السينما اللبنانية هي طاقة أملنا وفرجنا وفرحنا خلال السنة الماضية، فحققت لنا إنتصارات فعلية، اشتقنا اليها في بلاد الانتصارات الدونكيشوتية.
الإنجازات الفعلية كانت كثيرة سنة 2021، وعلى سبيل الذكر لا الحصر فيلم "كوستا برافا ليبانون" للمخرجة منية عقل الذي شارك في مهرجانات كثيرة مثل البندقية قبل أن تختاره وزارة الثقافة لتمثيل لبنان عن فئة أفضل فيلم أجنبي في حفل اوسكار 2022، وفيلم "البحر أمامكم" (The Sea Ahead) لإيلي داغر الذي شارك في مهرجان كان السينمائي 2021 ونافس على جائزة الكاميرا الذهبية ضمن فئة "اسبوعي المخرجين". أما الفرحة الكبرى، فكانت حتما فيلم "دفاتر مايا" (Memory Box) للثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج (من إنتاج شركة ابوط - بيروت و Haut et court - فرنسا وMicroscope - كندا).

فيلم "دفاتر مايا" (Memory Box) الذي يعرض حالياً في الصالات اللبنانية، سبق أن شارك في مهرجانات كثيرة، وفاز بجوائز مهمة مثل جائزة سعد الدين وهبة لأحسن فيلم في آفاق السينما العربية بمهرجان القاهرة، وحصد تصفيقاً لاكثر من 10 دقائق متواصلة بعد انتهاء عرضه في مهرجان البحر الأحمر. والاهم أنه نجح في المشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين سنة 2021، بعد غياب 30 عاماً للبنان عن هذا المهرجان العريق. وبذلك يكون قد حقق مفارقة سعيدة وغريبة في الوقت عينه، فهو يعيدنا الى بداية الثمانينات، أي الى حقبة أخر مشاركة للبنان في هذا المهرجان سنة 1982، من خلال فيلم "بيروت اللقاء" للمخرج الراحل برهان علوية.
حقبة الثمانينات!!! إنها حقبة الحرب والقصف والمعابر ووقف اطلاق النار و"تشتك تشتك تشتك... مكتب التحرير في خبر جديد". إنها فترة مراهقة كثيرين منا، واصرارنا على الذهاب الى المدرسة رغم النوم في الملجأ. هي حقبة رغبتنا في عيش الحياة واختبار الحب والسهر والرقص على إيقاع أغنيات كيم وايلد وبلوندي وفرق موسيقية مثل "كيلينغ جوك" و"زيك زيك سبوتنيك" واغنيات مثل Love Missile F1" 11"و "Love Like Blood" كانت تحقق نجاحات كاسحة في العالم وفي لبنان السابق لعصره رغم الحرب.
حقبة الثمانينات هي أيضاً حقبة مجهولة بالنسبة لأولادنا الذين من كثرة ما حسدناهم على عدم عيش ما عشناه في السابق، عاشوا اليوم أقسى منه بأشواط. لنا ولذاكرتنا وهويتنا وحزننا وفرحنا ودموعنا وضحكاتنا وجراحنا وخيباتنا، وخصوصاً لأولادنا ولابنتهما... قرر الزوجان السينمائيان اللبنانيان جوانا حاجي توما وخليل جريج "فلفشة" دفاتر الماضي، وإعادة سرده وحفظه بواقعية وخيال وصور واغنيات وألوان ومؤثرات وأسلوب ساحر بجماليته ولغته السينمائية.
ينطلق الفيلم من مونتريال، عشية عيد الميلاد قبل عامين، عندما يصل الى يد أليكس (بالوما فوتييه) صندوق ضخم. الصندوق مُرسل إلى أمها مايا (ريم تركي). ما إن ترى الجدة (كليمانس صباغ) الصندوق، ستقرر إخفاءه عن ابنتها مايا. ولكن مايا ستراه وتصمت وأمها ستصاب بالذعر. أما اليكس المراهقة التي لا تعرف شيئا عن ماضي والدتها في لبنان، فستشعر بفضول كبير وتقرر فتح الصندوق. كم هائل من الدفاتر والتذكارات والأفلام والصور وشرائط الكاسيت من سنوات مراهقة مايا (تؤدي دورها منال عيسى) خلال حقبة الثمانينات في بيروت، ستكون اشبه بصندوق الفرجة بالنسبة الى المراهقة. هذه المراسلات اعتادت مايا أن تتبادلها مع صديقتها الحميمة ليزا ( ريم خوري) التي سافرت خلال الحرب الى فرنسا مع أهلها. واليوم عادت اليها هذه المراسلات بعد وفاة ليزا في حادث سيارة مفاجئ. و... اهلا بكم في حقبة الثمانينات التي يعيدنا اليها الفيلم والصندوق معاً. من خلال مراسلات الفتاتين بين بيروت وباريس، سنتعرّف نحن واليكس على زمن "بشع" بسبب الحرب، "جميل" بسبب شغف فتيات مراهقات بالحياة والحب والموسيقى والتمسّك بالاحلام. سنغطس نحن واليكس في بحر من السرد الممتع، أمواجه مدّ من الصور والاشرطة المسجلة والمقتنيات والدفاتر والكتابات والاغنيات التي ترمز الى ذلك الزمن. من خلال هذه الرحلة الحافلة بالألوان والمؤثرات (الرائجة في تلك الفترة) سنتعرّف الى مايا ومزاجها ويومياتها وسط حرب عبثية، وعشقها الأول لشاب ينتمي الى احد الأحزاب، وشغفها بعيش هذا الحب والتحايل على الموت والقصف والقنابل من خلال سهرة ومشوار واغنية ورسالة، وصولاً إلى مأساة عائلية أجبرت مايا وأمها على الهجرة الى كندا...
ممتع هذا الشريط الشبيه بخلطة سحرية من التقنيات والأدوات والمؤثرات. نوستالجي كألبوم ديكو- درامي واقعي وخيالي في الوقت نفسه، نفلفش (بكثير من السلاسة والعفوية والوجع والسحر) صوره السمعية البصرية الكاريكاتورية المأسوية الرومنسية، المقدمة بعفوية وبساطة بعيدة عن الفذلكة، وكأننا نشاهدها بعيون عمر مراهقة تؤرشف زمناً من خيبات الحياة وافراحها.
واللافت أن الفيلم قائم على مراسلات وصور وشرائط ومقتنيات حقيقية لمخرجة الفيلم جوانا حاجي توما كانت قد تبادلتها مع صديقة لها خلال الحرب وعلى مدى 6 أعوام. وبالصدفة وبعد مرور 30 عاماً، وقعت عليها جوانا، فشكلت هذه المراسلات رغبة قوية لدى الثنائي جريج وحاجي توما بصناعة فيلم يعيد نقل مرحلة الثمانينات لابنتهما المراهقة عليا ولكافة أبناء جيلها. ولكن الشريط ليس سيرة ذاتية للثنائي، فهو بدأ من مراسلات حقيقة، ثم انطلق راسماً قصص واقدار شخصيات عديدة، قد تكون حقيقية أو وهمية، لا يهم، فالاهم أنه عالج ما شعر به واختبره كثير من اللبنانيين خلال تلك المرحلة، من خوف وضياع ومنفى وصولاً الى المصالحة مع الماضي والمآسي والذاكرة. نعم، ينتهي هذا الفيلم الحساس والنوستالجي والملهم بكثير من الأمل. أمل غير متوقع، تماماً مثل معالجة حقبة الحرب بأسلوب غير متوقع ولا يشيه أفلام الحروب التقليدية ابداً. أمل بإمكانية أن يتصالح المرء مع ماضيه وتاريخه، فيتخطاه من دون أن ينساه.