أي لبنان يخرج من الإنتخابات؟ سؤال يرتبط أي جواب عنه بسؤال آخر: أي لبنان يصل الى الإنتخابات؟ وليس قليلاً عدد الأطراف التي تراهن على أن يأتي المشهد كما تخطط له. البلد على الطريق الى إنتخابات نيابية ورئاسية على الطريقة الإيرانية. فالإنتخابات في جمهورية الملالي هي دائماً، كما يوصي المرشد الأعلى علي خامنئي، معركة ضد "العدو الأميركي" وإحباط مخططاته وإذاقته الخسارة. والإنتخابات هنا تدار كأنها معركة في حرب أكثر مما هي معركة حول السلطة، وإن كانت السلطة جزءاً من الحرب الأكبر منها.
"حزب الله" يدير معركة الإنتخابات ضد "مرشحي السفارات" لـ"إخراج النفوذ الأميركي وأزلام أميركا" من لبنان ضمن السعي الإيراني لإخراج أميركا من "غرب آسيا". وهو عمل سلفاً على توتير العلاقات مع السعودية ودول الخليج بما يقود الى قطع لبنان عن العرب. فضلاً عن أنه يستخدم كل ما في يده لئلا يخسر حلفاؤه أي مقعد. و"القوى السيادية" تدير المعركة لإخراج "الوصاية الإيرانية" من لبنان وإيجاد حل للسلاح خارج الشرعية بعدما صار يشكل خطراً، من حيث يقال إنه لمواجهة المخاطر.
لكن الكل يعرف أن إخراج أميركا أو إيران مسألة أكبر من قدرة أي طرف محلي أو إقليمي. فلا أحد يخرج من لبنان بشكل كامل. الوحيد الذي خرج على المسؤولية ومن تقديم الخدمة للبنانيين بعدما رماهم في "جهنم" هو ما بقي من الدولة. تركيا في لبنان بعد سقوط السلطة العثمانية. فرنسا هنا، بعد الإستقلال عنها، والمطلوب منها زيادة الحضور والدور. منظمة التحرير الفلسطينية بكل فضائلها أُخرجت من لبنان بالقوة في الحرب، وبقيت فيه ومعها "حماس" و "الجهاد الإسلامي". إسرائيل أُخرجت بقوة المقاومة، لكنها ليست غائبة عنه وفيه. سوريا خرجت عسكرياً بعد "ثورة الأرز" لكن نفوذها لا يزال في لبنان مباشرة وعبر أصدقائها. والقوات الدولية لا تزال في الجنوب منذ عام 1978، ولا أحد يرى مفارقة في التمسك بالقوات الدولية والمقاومة في آن.
مفهوم أن الإنتخابات، مهما تكن نتائجها، لا تحل كل شيء. ولكن لا شيء يتبدل من دون الإنتخابات التي هي جزء من مسار. ولا شيء يزيد في سوء الوضع أكثر من اليأس من جهة، والإنحطاط في الخطاب الإنتخابي من جهة أخرى، حيث اللجوء الى لغة التخوين وإعتبار الشركاء في الوطن "أعداء". والمطلوب بعض التواضع. بعض الإلتفات الى هموم الناس المختلفة عن إهتمامات المرشحين. بعض الجهد للحد الأدنى من التعافي المالي والإقتصادي لكي يصل اللبنانيون الى الإنتخابات قبل أن يكتمل إنهيار لبنان. وقمة الوقاحة أن يعدنا بالإصلاح من أوصلونا الى الهاوية. فالواقع أمامنا. وهو الحكَم في النهاية. والصعود الى الأشجار العالية لخوض معارك كبيرة تمارين في العبث.
يقول ليسلي غيلب في كتاب "قوانين القوة": "إذا حاولت البحث عن الحل الكامل، فأنت تبحث عن الفشل". أليس هذا هو الدرس أمام الذاهبين الى الإنتخابات كأنها حرب؟