حرب روسيا في أوكرانيا هي مأساة حقيقية للعالم كان يمكن تجنّبها بحسب ما تنصّ المادة الأولى من ميثاق الأمم المتّحدة، إذ إنّ الغرض من تلك المنظمة هو «صون السّلم والأمن الدوليَّيْن». وتحقيقاً لهذه الغاية تُتخذ تدابير جماعيّة فعّالة لمنع التهديدات التي يتعرّض لها السلام والقضاء عليها. لكن تصرفات روسيا العدائية نحو القوانين العالمية، تجاوزت بها كل الأعراف لرسم خريطة جديدة للعالم من خلال البطش بالحديد والنار واستخدام الفوضى والتهديد. بعيداً عن الشعارات التي يطرحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظامه لتبرير الحملة العسكرية ضد أوكرانيا وشعبها، إن توجهاته العدائية تسير نحو حرب الإبادة التي تشن على المدن والشعب الأوكرانيَّيْن، وهي خطرة بالنسبة للعالم أجمع، خصوصاً أن الجميع نسي الحرب العالمية الثانية ومأساتها وتوجه نحو الرفاهية والتجارة والسياحة. لكن حلم «القيصر» بتوسيع سيطرته على القارة الأوروبية من جديد من البوابة الأوكرانية التي تشكل الأساس في استعادة الحلم المفقود تحت عناوين وشعارات غير قابلة للنقاش، أخاف الدول الغربية والشعوب التي باتت تفرض على حكوماتها دعم خط الدفاع الأول الذي شكلته أوكرانيا للدفاع عنهم وعن القيم الإنسانية والديموقراطية الليبرالية. الملفت أن تطلب دول مثل فنلندا والسويد عضوية الناتو وتسير وتلتزم بالعقوبات، وأيضاً سويسرا التي تعتبر دولة محايدة لم تشترك بكل الحروب، واليابان وألمانيا اللتان كانتا تبتعدان عن كل الحروب والصراعات بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والتوجه نحو التعافي الاقتصادي، تُعيدان بناء ترسانتهما العسكرية مجدّداً. كلّ هذا يدل على خطر حقيقي باتت روسيا البوتينية تُشكله.
إذاً الخوف من «الوحش» الروسي المتنامي هو الذي دفع هذه الدول إلى الاحتماء والاختباء وراء الناتو كي لا تقع فريسة للطموح القومي الروسي، لأن الجميع لم يعد يستطيع معرفة ماذا يخطط له بوتين سوى الفوضى لتحقيق شروطه المطروحة التي باتت تشكل خليطاً معقداً من توجهات تحكم تصرفاته ذات الطابع الإمبراطوري لروسيا، والعقيدة الروسية ذات الطابع الديني الذي يتيح لها التدخل خارج مجالها الإقليمي في مهمات مقدسة، وكذلك التشبث بالقيم الروسية المحافظة. ويمكن القول إن تفكير الرئيس الروسي قد تأثر بفلسفة أشهر الفلاسفة الروس الحديثين وهو إيفان إيلين، أب الفكر القومي الروسي الفاشي، بحيث يردد بوتين في جلساته وقاعات الكرملين وأمام الصحافة مصطلحات ونظريات قد ترك اثرها إيلين، الذي اعتقد أن الشعب الروسي يمكن لوحده تخليص البشرية، والذي رسم تصوراً مختلفاً لروسيا ومستقبلها السياسي، التي تتمكّن من صناعة مجتمع متجانس كلّياً من خلال قيادة الفرد.
من هنا نرى نظرة بوتين للغرب وتقاربه مع الأحزاب المتطرّفة ودعمها في أوروبا وحماية وتشجيع الديكتاتوريين في العالم، من نماذج «الأسد وقديروف»، ورفض الثورات التي تعتبر مؤامرة على الأنظمة ويجب سحقها وعدم الاعتراف بالمعارضين والديموقراطية. هذه الطريقة الروسية في الحكم هي خليط من أفكار وعقائد قديمة ساهمت بابتعاد الاصدقاء والمحايدين من خلال الخوف من تصرفات بوتين، والتي تمت ترجمتها منذ اعتلائه سدة الرئاسة وصولاً إلى الحرب المستعرة في أوكرانيا، ما دفع الغرب بالذهاب نحو استخدام الحرب الاقتصادية لايقافه من السير بحرّية.
لقد أُطلق على العقوبات غير المسبوقة التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون على روسيا اسم الحرب العالمية في الاقتصاد، بحيث ضربت كل مفاصل الحياة الروسية الداخلية والخارجية. لقد سجلت العقوبات حتى الآن أعلى مرتبة في العالم لجهة التفنّن في الحصار والعقاب. وهناك فئة من الدول التي كانت تبدو حتى الأمس قريبة للغاية أو على الأقل ليست معادية لروسيا، لكنّها انضمّت إلى الدول التي فرضت عقوبات، وامتثلت لضغوط لا يستطيع الجميع تحمّلها. المجر واليونان والجبل الأسود، هل هي حقاً من أعداء روسيا إلى هذا الحد؟ وماذا عن كوريا الجنوبية التي احتفلت روسيا معها بالذكرى الثلاثين للعلاقات الديبلوماسية في العام الماضي، رئيسها الجديد هو الذي دان روسيا بسبب العملية في أوكرانيا، لكنه حدد بالفعل التعاون مع بكين، الشريك الرئيسي لموسكو، كأحد أولوياته... وسنغافورة التي وقعت قبل عامين فقط اتفاقية منطقة تجارة حرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي؟
لكن روسيا ما زالت ترى نفسها على حق وتُكابر لجهة العقوبات والتخفيف من وطأتها، وأنها ستمنح الأسواق الروسية لدول صديقة مثل الصين وتركيا وإيران والهند. تناست موسكو أن اللاعب الثالث في هذه الحرب هي الولايات المتحدة، التي تُريد تحقيق أهدافها تجاه روسيا على دماء الأوكرانيين ومكتسباتهم. لقد خطّطت واشنطن طويلاً لاصطياد «الدب الروسي» لكي يسقط منهكاً في سهول أوكرانيا ومستنقعاتها، حتّى لو حقق نصراً باحتلال وتدمير البلاد، إذ سيكون النصر بطعم الهزيمة، فالقائد الناجح الذي يُخطط مسبقاً للحرب، حتى لو فشل في إدارة الأزمة، فعليه أن يُنهي الحرب لكي يصنع السلام كما صنع الحرب. السؤال الذي يطرح نفسه على جميع الخبراء والمتابعين للأزمة الروسية - الأوكرانية: كيف لروسيا استعادة الصداقة مع «الدول غير الصديقة» التي بدأت الإلتزام بالعقوبات والسير بالضغوط الاقتصادية والمالية على موسكو أخيراً؟ الجواب بسيط ويبدأ بإنهاء الحرب المجنونة على أوكرانيا والبدء بحوار صريح وهادئ.