شاهدتُ يوم أمس المعرض المخصّص لكتاب "الأمير الصغير"، تُحفة الكاتب الفرنسي أنطوان دُو سانتيكزوبيري. يحتوي المعرض المُقام في متحف الفنون الزخرفيّة على المخطوطة الأصلية المحفوظة في مكتبة "مورغان" في نيويورك، وتُعرض لأوّل مرّة في باريس مع الرسوم المرافقة لها. كتاب "الأمير الصغير" الذي يحمل رسالة إنسانيّة تَعبر الحدود والعصور، كُتبَ في الولايات المتحدة الأميركيّة في العام 1943، إبّان الحرب العالميّة الثانية، ولم يُنشَر في فرنسا إلاّ في العام 1946، ونُقلَ إلى معظم لغات العالم. وهو كتاب يخاطب الأطفال، وكذلك البالغين الذين لم يقطعوا الحبل السرّي مع الطفولة. بهذه المناسبة، أتوجّه إلى بطله بالرسالة الآتية.
عزيزي الأمير الصغير،
تعرّفتُ إليك في سنوات الطفولة. وقبل أن أقرأ كلماتك، كنتُ أتبحّر في الرسوم التي تبدو فيها مختلفاً عن الأطفال الذين أعرفهم: ملامح وجهك الغريب، وشعرك المذهَّب المتطاير في الهواء، ونظراتك الحائرة. ثمّ قرأتُ سيرتك وأصبحنا أصدقاء. أحياناً، كان يتناهى إليّ صوتك وهو يطرح سؤالاً كتلك الأسئلة التي وردت في الكتاب الذي وجدتكَ فيه ورافقني برسومه المدهشة.
لا أدري إذا كنتَ تتابع أخبار الكوكب الذي جئتَه يوماً بحثاً عن صديق. لكنّي سأطلعك على بعض أخباره، مثلما أطلَعتَني على أخبار كوكبك الصغير. بدايةً، لا بدّ أن أسألك عن "الزهرة الفريدة" التي كنتَ تعتني بها؟ وهل ما زلتَ تحدّق فيها وتتنشّق عبيرها، بدلاً من أن تستمع إليها، كما تقول؟ هل ما زلت تؤمن بأنّ "الكلام مصدر لسوء الفهم"؟ ربّما هو كذلك بين جميع الكائنات، وخصوصاً بين البشر! أما زلتَ تتساءل أيضاً: "ما الغرض من الأشواك التي في الأزهار؟" يحيلني سؤالك هذا إلى قَول الشاعر بُول كلوديل: "بعطرها لا بأشواكها تدافع الوردة عن نفسها". وأسأل بدوري: هل صحيح أنّ العطر يحمي الزّهر؟ وهل الإحساس بالجمال يخفّف من وطأة البشاعة؟ أم أنّ الأحاسيس المرهفة – ومعها المعرفة والآداب والفنون كلّها - يَضؤل حضورها حيال العنف الكاسح، ويصبح مَن يحملها في ذاته كمن يحمي نفسه من شمس حارقة بدِرع من أجنحة الفراشات؟
في السعي الدائم إلى امتلاك كلّ شيء، تغيَّرَت أرضنا كثيراً. انظُر إلى البحار والمحيطات، إلى البشر والحيوانات والنبات، إلى السيّدة الشجرة، داخل المدن وفي الغابات، إلى الهواء والماء. قلتَ مرّةً إنّ "الماء هِبَة"، لكنّك سترى ماذا فعلنا بهذه الهِبَة! بهذا السرّ الذي لا مثيل له، منذ 4.5 مليارات سنة حتّى اليوم في دورة لا تتغيّر أبداً، ما يجعلنا نشرب من الماء نفسه الذي يعود تاريخه إلى لحظة تَكَوُّن الأرض.
ذات يوم، في ليلة صيف، سنلتفت، أنتَ وأنا، إلى السماء الصافية حيث النجوم كأنّها ملايين الأعين تنظر إلينا من بعيد. تسبح في الفضاء وهي ليست مُلكاً لأحد. وسنعي أنّ الأرض، هي أيضاً، ليست مُلكاً لأحد. أما الذين يظنون أنها مُلكهم فهم مخطئون، ولا يدركون أنّهم ذرّة غبار في هذا الكون اللانهائي. لا يدركون أنّ تجريد الحياة من قيمها الروحية، هو تجريدها من المستقبل الذي "لا تمكن رؤيته إلاّ بعيون القلب، لأنّ ما هو جوهريّ لا تراه العيون".
أنتَ لم تأت من كوكب صغير اسمه "ب 612"، بل أنتَ من "طفولة كأنّها بلد". لم أنسَ ما قلته ذات يوم: "عندما نشعر بالحزن نميل إلى تأمُّل غروب الشمس". لكن، ما الذي يُحزنكَ أيّها الأمير الصغير، أنت الآتي من كوكب آخر لا حروب فيه ولا استعباد ولا قهر، أم أنّ وجودك على أرضنا هو الذي دفعك إلى التلفّظ بتلك العبارة؟
نحن نفقد شيئاً فشيئاً صلتنا بالعالم الذي نعيش فيه، بأرضه وفضائه، وبجميع كائناته الحيّة وموارده الطبيعية. منذ أكثر من نصف قرن والعلماء يحذّرون من الكوارث ولا مَن يَسمع. الممسكون بالمصير، يتسابقون اليوم على صناعة الأسلحة المتطوّرة ومضاعفة ميزانيّاتها على حساب العلم والتقدّم والسلام. وها نحن نسير كالمُسَرنَمين ولا نعي في أيّ اتجاه نمضي. ولا ندري أنّ انهيار التنوّع البيئي المتسارع، سيؤدّي، في حال تفاقمه، إلى المسّ بسيرورة حياة البشر التي لا تشكّل سوى حلقة صغيرة من حلقات كَون لا يُحصى ولا يُحَدّ.
نحن في حاجة إليك، أيّها الأمير الحالم، الآتي من كوكب آخر، لأنّ من يحلم هو الذي يفكّر في عالم أفضل. نحتاج إليك لأنّك علّمتنا أنّ من ينسى الطفولة يُضيِّع الكمنجة التي في قلبه. نحتاج إلى قدرتك على اجتراح الانبهار والدهشة والصداقة، تلك الألفاظ التي نسينا معناها. نحتاج إلى الشكّ والحيرة والحوار، فلا نبقى غرباء عن المكان، ولا أعداء أنفسنا ومَن حولنا. نحتاج إلى الأسئلة الأساسيّة التي لولاها لا جواب ولا أُفُق، الأسئلة التي انبَنَت عليها حياتك بأكملها وسرّ وجودك، فنتطلّع إليها كأننا نتطلّع إلى قَدَر آخر وإلى فجر جديد.