وحده الشارع تحرّك فجأة من دون أن يُحرّكه أحد. فنزل آلاف المواطنين إلى الشوارع في مختلف المناطق هاتفين ضد العهد ومطالبين بإسقاط الحكومة، في مشهد يجمع اللبنانيين على كامل مساحة الوطن للمرة الأولى. لم يتحرك المواطنون لأنهم استعادوا الأمل بالتغيير الذي كانوا قد فقدوه سابقاً، بل تحركوا رفضاً لاستمرار إذلالهم من سلطة تمادت بمهانتهم، إلى حدٍّ وصلت فيه وقاحتها إلى السعي لإقرار المزيد من الضرائب على أصحاب الدخل المحدود، الذين يعانون أصلاً جرّاء الأزمة الاقتصادية. لم يجد هؤلاء طريقة للتعبير عن غضبهم سوى بإغلاق الطرقات والإضراب، ليكون نهار أمس أشبه بيوم عصيان مدني. وانتهى يوم التظاهرات الطويل باستخدام القوى الامنية الغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي لتفريق المتظاهرين، وأصيب عدد منهم وشهد وسط بيروت عمليات كرّ وفرّ بين المتظاهرين والقوى الأمنية.
في الضاحية الجنوبية لبيروت أقفلت معظم الطرق والمحال التجارية. والملفت استخدام السواتر الترابية لإقفال طريق المطار، في مشهد يذكر بمشهد السابع من أيار في العام 2018. وطالب متظاهرون بعدم السماح للمسؤولين اللبنانيين بالسفر إلى خارج لبنان. بينما أقفلت بقية الطرق عند دوار الكفاءات وتقاطع المشرفية وكنيسة مار مخايل وغيرها من النقاط بالإطارات والحاويات المشتعلة. شارك في التحركات أطفال صغار في السن بعضهم أحضر الإطارات وأشعلها وتنشق سمومها. والجديد في تحركات الضاحية أن المحتجين اجتمعوا وللمرة الأولى عند نقاط رئيسية في قلب المنطقة وهاجموا الأحزاب السياسية المهيمنة عليها. ورفع المتظاهرون شعار "كلن يعني كلن"، وهو شعار لطالما رفضه مؤيدو "حزب الله" وعناصره لأنه شعار يرفض استثناء الأمين العام لـ"الحزب" حسن نصرالله من الاتهام بالفساد ويشمله مع بقية الزعماء. كما رفض المتظاهرون استثناء "حزب الله" و"حركة أمل" وتبرئتهما من الاتهامات بالفساد والتسبب بالأزمة الإقتصادية الحالية. في قلب الضاحية أيضاً رفعت شعارات ترفض الطائفية وتنادي بوحدة الوطن.
ترفض إحدى المتظاهرات في حديث لـ"نداء الوطن" القول بأنهم تحركوا نتيجة فرض ضريبة على الاتصال عبر تطبيق "واتساب". تتحدث المتظاهرة عن الأزمات المعيشية التي تعاني منها كمواطنة وعن التراكمات التي أثقلت كاهل جميع المواطنين، تتابع: "نحمّل المسؤولية للحكومة بأكملها، وعدونا بالتغيير والإصلاح لكننا لم نر ذلك بل الحال من سيئ إلى أسوأ". تقول سيدة أخرى: "كل الأحزاب تآمرت علينا، نجحوا في الانتخابات بالنصب والاحتيال، لقد سرقت صناديق الإقتراع. أدلينا بأصواتنا لصالح لائحة أخرى لكن أصواتنا لم تظهر عند احتساب النتيجة. لم ينتخبهم كل الشعب فـ 50% من الشعب اللبناني لم يصوت". يؤكد كلامها رجل آخر: "لقد نجحوا بالتزوير". تتابع السيدة من قلب الضاحية: "كلما أردنا التحرك للمطالبة بحقوقنا يقولون بأن أميركا تحركنا أو يرسلون طابوراً خامساً. يقولون أميركا حركتنا فهل هي من أمرتهم بأن يجوعوا الشعب وأن نموت على أبواب المستشفيات، هل أمرتهم بأن لا يقروا معاش شيخوخة وأن يرفعوا سعر البنزين ويتلاعبوا بسعر صرف الدولار؟؟! أهذا كله تقوم به أميركا؟ أميركا أشرف منهم، على الأقل تعطي قيمة للإنسان فالكلب هناك يحيا في وضع أفضل من الإنسان هنا. عار عليهم".
أما في وسط بيروت، فقد تجددت التوترات بين المتظاهرين والقوى الأمنية عند الخامسة مساءً، تزامناً مع كلمة وزير الخارجية جبران باسيل. بعد أن هوّل باسيل على المتظاهرين وحذر من الفوضى التي قد يؤدي إليها الشارع ما قد تؤدي إلى حالة أسوأ من التي نعيشها. لكن باسيل، البعيد من المتظاهرين وأجواء الشارع، فاته أن هؤلاء يعبرون عن غضبهم من العهد والحالة التي وصل إليها لبنان إلى حد باتوا يعتبرون أن أي حال قد نبلغها ستكون أفضل من البقاء على هذه الحال. واشتد التوتر في رياض الصلح بعد أن حاولت القوى الأمنية تفريق المواطنين باستخدام الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع وضربهم بالهراوات.
وكان المتظاهرون قد بدأوا منذ صباح أمس بالتوافد إلى ساحتي الشهداء ورياض الصلح، وقدم بعضهم الورود إلى عناصر من قوى الأمن الداخلي الواقفين عند مدخل السراي، على تماس معهم. وامتلأت ساحة رياض الصلح بالمتظاهرين الذين استمروا بمطالبة الحكومة بالاستقالة وبالهتاف ضد العهد متّهمين إياه بتجويع الناس. وعقدت بعض مجموعات الحراك المدني اجتماعاً مفتوحاً في ساحة الشهداء في محاولة لتحديد مطالب واضحة وموحدة. فشدد بعضهم على ضرورة التنبه من قيام طرف في السلطة باستغلال تحركاتهم لاستهداف طرف آخر، مشددين على ضرورة عدم الاكتفاء بالمطالبة باستقالة الحكومة فقط وإنما باستقالة العهد معها. ورأى آخرون ضرورة أن تشدد المطالب على خطة إقتصادية واضحة. بينما رأى غيرهم أنه من الأفضل عدم التكلم باسم الناس الذين تحركوا بعفوية ولم ينتظروا أحداً وبأن يترك الأمر للشارع. وفي ظل استمرار الكر والفر عبّر متظاهرون عن تأييدهم لأعمال الشغب وإن لم يجرؤوا على القيام بها. كما بدا وكأن في الساحة من ينتظر عنفاً لكنه لا يجرؤ على ممارسته. وبقي هتاف "ثورة" الأكثر استخداماً. الجميع ينشد الثورة لكن لا يبدو إلى الآن أن الجميع يتجرأ على البدء بها.