تنتشر علامات الموت في كل مكان! يدق العلماء ناقوس الخطر منذ سنوات ويحذرون من بدء سادس انقراض جماعي على كوكب الأرض نتيجة التراجع الحاد في التنوع البيولوجي الحيواني حول العالم. لكن لا يوافق جميع الخبراء على هذا التوقع رغم زيادة الأدلة التي تشير إلى بدء هذه الظاهرة القاتمة من حولنا.
يقول عالِم الأحياء روبرت كوي من جامعة هاواي في مانوا: "أصبحت زيادة معدلات انقراض الأجناس وتراجع وفرة أنواع عدة من الحيوانات والنباتات موثّقة بكل وضوح، ومع ذلك ينكر البعض أن هذه الظواهر تصل إلى مستوى الانقراض الجماعي. يستند هذا الإنكار إلى تقييم منحاز جداً للأزمة، وهو يُركّز على الثدييات والطيور ويتجاهل اللافقاريات التي تشكّل الجزء الأكبر من هذا التنوع البيولوجي".
يحاول كوي وزملاؤه في دراسة جديدة دحض أفكار معارضي فرضيتهم عبر التركيز على تراجع الكائنات اللافقارية التي لا تحظى بالاهتمام بقدر الحيوانات الفقارية خلال النقاشات المرتبطة بخسارة التنوع البيولوجي، بما في ذلك القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض الصادرة عن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، وهي من أهم السجلات لانقراض الأجناس في العالم لكنها تميل إلى التركيز على الطيور والثدييات والبرمائيات.
يكتب كوي وزملاؤه في تقريرهم: "القائمة الحمراء منحازة جداً. خضعت جميع الطيور والثدييات تقريباً للتقييم استناداً إلى معايير حفظ الطبيعة مقابل نسبة ضئيلة من اللافقاريات... وفق فرضية ضمنية، أو حتى علنية أحياناً، يقال إن تقييم معدلات انقراض الثدييات والطيور يعكس مستوى الانقراض في التنوع البيولوجي كله. هذه الفرضية ليست مقبولة في وسائل الإعلام التي تُركّز على الفقاريات فحسب، بل في أوساط عدد من المنظمات العلمية والمتخصصة بحفظ الطبيعة، لا سيما تلك التي تُركّز على الفقاريات".
منذ العام 1500 بعد الميلاد، انقرض حوالى 1.5% من أجناس الثدييات والطيور التي خضعت للتقييم بناءً على سجلات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، وهي نسبة غير بعيدة عن معدل الانقراض "الخلفي" بين مختلف مراحل الانقراض الجماعي.
لكن يبدو الوضع أسوأ بكثير عند استخلاص الاستنتاجات من ظاهرة انقراض اللافقاريات التي لم يأخذها الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة بالاعتبار.
لتسليط الضوء على نطاق خسارة التنوع البيولوجي الذي تغفل عنه أرقام الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، ركّز الباحثون هذه المرة على الرخويات التي تشكّل ثاني أكبر فئة من الحيوانات اللافقارية بعد مفصليات الأرجل، علماً أن اللافقاريات بحد ذاتها تشكّل الأغلبية الساحقة من الأجناس الحيوانية المعروفة (قد تصل نسبتها إلى 97% وفق بعض المصادر).
بناءً على استنتاجات جريئة من دراسات سابقة كانت قد حللت ظاهرة تراجع اللافقاريات، يظن الباحثون أن 7.5 إلى 13% من أصل مليونَي فصيلة نباتية وحيوانية معروفة على كوكب الأرض انقرضت منذ العام 1500 بعد الميلاد. يبقى هذا المعدل أعلى من نسبة الانقراض التي يعترف بها الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة.
يوضح كوي: "كان إدراج اللافقاريات في التقييم أساسياً للتأكيد على بدء سادس انقراض جماعي في تاريخ الأرض".
لكن تبدو أجناس معينة في وضع أفضل من أنواع أخرى خلال الأزمة الراهنة، إذ يتوقف الاستنتاج على الفئة المستهدفة. حتى الآن، لا يمكن اعتبار انقراض الأجناس البحرية والنباتات حاداً بقدر معدل الانقراض المسجّل وسط عدد كبير من الحيوانات البرية مثلاً. لكن لا تكشف معدلات الانقراض التي طرحتها القائمة الحمراء الصادرة عن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة حتى اليوم كامل تفاصيل خسارة التنوع البيولوجي.
يكتب الباحثون: "أصبحت معدلات الانقراض الراهنة، لا سيما وسط اللافقاريات الأرضية، أعلى بكثير من معدلات الانقراض الخلفية. لقد أثبتنا أيضاً أن استعمال بيانات القائمة الحمراء لمعرفة معدلات الانقراض الراهنة يؤدي إلى طرح تقديرات أقل من المعدلات الحقيقية، إلا في حالة الطيور والثدييات وربما البرمائيات".
لا يعرف الباحثون إلى أي حد سيكون وقف هذه النزعات الخطيرة ممكناً. لكنهم يظنون أن إنكار الأزمة أو الامتناع عن التحرك لمعالجتها يتعارض مع مسؤولياتنا الأخلاقية. هم يدعون العلماء والمدافعين عن البيئة إلى تسليط الضوء على أزمة التنوع البيولوجي ومتابعة التقدير البشري الفطري لهذا التنوع.
لن يكون إنقاذ جميع الأجناس المعرّضة للانقراض في الوقت الراهن ممكناً على الأرجح، لكن يمكن الحفاظ على معظمها إذا تحرك المعنيون واتخذوا مقاربة حذرة وعاجلة ووثّقوا هذه العملية للأجيال المستقبلية.
في النهاية، يستنتج الباحثون: "يبذل علماء الأحياء والوكالات المتخصصة بحفظ الطبيعة قصارى جهدهم في هذا المجال ويُركزون بشكلٍ أساسي على الطيور والثدييات المُهددة، وقد يصبح إنقاذ هذه الأجناس من الانقراض ممكناً".
من خلال محاولة نشر الوعي حول الأزمة القائمة، قد يُحقق العلماء المتخصصون بالتنوع البيولوجي بعض النجاحات، إذ يمكن الحفاظ على عنصر مهم من التنوع البيولوجي العالمي القائم راهناً في البرية، أو يمكن حفظ جزء من تلك الأجناس التي ستفقدها البرية داخل المتاحف على الأقل كي تدرسها الأجيال المستقبلية وتنبهر بها".
نُشرت نتائج الدراســـــة في مجلة "المراجعات البيولوجية".