خالد العزي

المرتزقة ودورهم في الحرب الروسيّة - الأوكرانيّة

6 دقائق للقراءة
قديروف أقحم نفسه بقوّة في الحرب الروسيّة ضدّ أوكرانيا (أرشيف)

مع اندلاع الحرب الأوكرانية - الروسية، أعلنت موسكو في 26 شباط، أي بعد يومين من دخول الحرب، أن الشيشان يخوضون المعارك إلى جانب القوات الروسية، حيث كشف رمضان قديروف عن تشكيل قوّة مؤلفة من 10 آلاف مقاتل للقتال على الجبهات في أوكرانيا وصولاً للسيطرة على كييف، وهي خطوة غير موفقة من موسكو لأن الشيشان هم في النهاية روس يخدمون في الجيش الروسي ولا داعي للقول إنّهم يتطوّعون لمقاتلة الأوكرانيين. وهنا اتخذت العملية طابع المرتزقة.

بعدها جاء الشيشان المعارضون الموجودون خارج روسيا، وأعلنوا من بروكسل بعد اجتماع موسّع للجاليات الشيشانية في المهجر وعلى لسان رئيس وزراء جمهورية إشكيريا الشيشانية في المهجر أحمد زكاييف المعارض للنظام الروسي، أنهم سيدخلون الحرب مع أوكرانيا ضدّ الروس، وبالتالي أصبحت القضية تأخذ نوعاً من التنافس.

وطلبت أوكرانيا تشكيل «قوة الفيلق المتطوع»، معظمهم من المتطوعين الغربيين الذين يتوافدون، تحت شعار مساندة أوكرانيا، من الدول المجاورة التي لن تُشارك دولها في الحرب بصفة رسمية وعسكرية. في المقابل، روسيا كانت تطلب الدعم والتطوع من قبل جمهوريات وسط آسيا التي تنضوي في «منظمة معاهدة الأمن الجماعي»، الذين رفضوا الدخول في الحرب بشكل رسمي دعماً للعملية الروسية في أوكرانيا. وبالتالي طلبت موسكو المتطوعين من هذه الجمهوريات ضمن عقود خاصة. والروس كانوا مشهورين فيها بتأسيس مجموعة «فاغنر» التي قاتلت في أوكرانيا العام 2014 وفي سوريا العام 2015 وشاركت في ليبيا والسودان ومناطق أخرى.

من هنا نرى أنه من أخطر نتائج الصراع بين أوكرانيا وروسيا، مسألة استقدام «مرتزقة» إلى ساحة القتال، خصوصاً مع الحديث عن إحضار بعضهم من الشرق الأوسط. فبعد الشيشان وسوريا، ذكرت وسائل إعلام روسية أن متطوعين لبنانيين أعربوا عن رغبتهم في القتال إلى جانب روسيا في أوكرانيا. إذاً، دور المرتزقة يقوم على ممارسة الأعمال «الوسخة» التي تُحاول الدول الابتعاد عنها، كالقتل والتصفيات والسلب والاغتصاب وعمليات بيع الأسلحة والمخدّرات.

يعتبر المرتزقة بشكل عام «جيشاً سرياً» للدولة التي تقوم بتغذيتهم ولكنها لا تتحمل مسؤوليات قانونية أو لوجستية أو أمنية أو ارتباط ديبلوماسي، وإنما يتمّ دفع أموال وتعويضات لهم للقيام بأعمال «بشعة» يمتنع الجيش النظامي عن فعلها، بالإضافة إلى أن الخسائر تكون أقل على الدولة، لأن هؤلاء لا يتبعون لها كونهم متطوعين. وخير دليل، العملية التي حصلت في دير الزور العام 2018 عندما ذهب مقاتلو «فاغنر» الذين قاتلوا في أوكرانيا لاحتلال حقل سوري، حيث تمّت إبادتهم من قبل الطيران الأميركي، حينها نفى الروس أي علاقة لهم بهذه الجماعة.

اليوم الأمر أصعب عندما يتم إدخال متطوعين من الشرق الأوسط للمقاتلة في صفوف الجيش الروسي، الذي لا يحتاج إلى مقاتلين، إنما يتم استقدامهم لوضعهم في المواجهة الأمامية كـ»أكياس رمل»، لأنهم لا يعرفون طبيعة الأرض ولا اللغة ولا طبيعة المعارك ولا يخضعون حتى للتدريب... وبالتالي لن تكون لديهم قواعد للتحكم بها من خلال غرفة عمليات، لأنهم جيش غير نظامي.

فروسيا تستقدم الألوية السورية، خصوصاً من الموالين للنظام السوري، من «جيش التحرير الفلسطيني» و»لواء القدس» وبعض المتطوعين الذين يقدمون أسماءهم للقتال، لأنهم يُحبّون روسيا أو لأنها تجبر بعض مناصري البعث والنظام على التطوّع بحكم أنها ساعدتهم في الحرب وبالتالي عليهم اليوم مناصرتها، فهذا يعني أن هؤلاء المرتزقة سيكون لهم دور بشع في منطقة يجهلونها.

لقد أكدت الإستخبارات الأوكرانية بدء نقل مرتزقة من سوريا تمهيداً للزجّ بهم في القتال إلى جانب الروس والشيشان، في حين أعلنت هيئة الأركان الأوكرانية أن القوات الروسية تستعد لاستئناف الهجوم في محيط العاصمة كييف بهدف تشديد الحصار عليها وارتكاب أعمال بشعة في حال دخولها. من هنا، تعمد موسكو إلى خلط الأوراق عندما يذهب السوري المسلم ليُقاتل ضد الأوكرانيين والغرب، يُقال للعالم كله إن المسلمين يُقاتلون ضد الغربيين وضد الرئيس فولوديمير زيلينسكي الذي يعتبر من وجهة نظرهم يهوديّاً، ليأخذ الموضوع وجهة قومية ومذهبية، وبالتالي سيتعرّض العرب لنوع من التضييق في الغرب على قاعدة أن هؤلاء المسلمين هم ورقة بيد الروس.

هذه نقطة خطرة لأنها ستدفع بالجهاديين للذهاب والقتال ليس بسبب الحاجة المالية، بل لأسباب عقائدية تدفع المتأثرين إسلاميّاً للقتال ضدّ الروس ثأراً لما حصل معهم في سوريا وأفغانستان. وبالتالي ندخل في المحظور وتصبح المعركة خطرة ومعقدة تتحكّم بها عناصر مختلفة متطرّفة وصراع الأضداد. ويُصبح هؤلاء مجرّد منفّذي مخطّطات ورغبات شخصية ويُطيلون عمر الحرب التي سرعان ما تتحوّل إلى حرب استنزاف، فتصعب بالتالي عملية الجلوس إلى الطاولة للتفاوض. وهذا الأمر سيؤدّي إلى استنهاض الشعور اليميني المتطرّف في أوروبا.

إن الإصرار الروسي الدائم، على وسائل الإعلام وفي خطابات القيادة الروسية، بأنها تُنظّف أوكرانيا من النازية الجديدة وتُصحّح خطأً تاريخيّاً قد يفتح شهية دول أخرى (خصوصاً في دولنا العربية) من أجل تصحيح أخطاء تاريخية وتصحيح حدودها. كما قد تكون فرصة للجهاديين القادمين من أفريقيا وأفغانستان والشرق الأوسط للتواجد في أوروبا لفرض أجندات خاصة، لأن هذه القوى المتطرّفة أو الجهادية تستفيد منها ويستثمرها الكثير من أجهزة الإستخبارات العالمية، خصوصاً الرأسمال العالمي الذي يخدم مصالح مؤسسات صناعية وتجارية تحت أسماء مختلفة كالصراع المذهبي والثأر.

روسيا تُريد زرع إسفين جديد في الداخل الأوروبي من خلال اللعب على الورقة القومية في مخاطبة اليمين المتطرّف الصاعد ومناجاة شعوره القومي بتوافد المتطرّفين الإسلاميين إلى أوروبا، ما يُنمّي فكرة الحقد والصراع الحضاري. لذا يكمن دور التطرّف في الحروب بشكل مرعب ومربك، ربّما البوسنة كانت مثلاً، حيث استطاع المفكر والرئيس البوسني علي عزت بيغوفيتش التفاهم مع المتطرّفين الذين أتوا لـ»نصرة المسلمين» في البوسنة عبر طرح ثلاثة خيارات عليهم: إمّا البقاء في الدولة كمواطنين وتسليم سلاحهم، وإمّا الحصول على أموال لقاء خدمتهم والرحيل وإمّا سيتمّ اعتقالهم وسجنهم. لكن الخطة فشلت في الشيشان والسودان والعراق وسوريا.

وبالتالي ذهاب أي عربي لمقاتلة أو نصرة هذا الطرف أو ذاك سيكون ثمنه باهظاً على كلّ الجاليات العربية في الخارج الذين يقحمون أنفسهم في صراع خطر، لأنّ المرتزقة لا يخضعون لأي قانون، والدول لا تسأل عنهم، والعقد المالي محدود، والأهالي لا يستطيعون استرجاع جثث أبنائهم، وإذا اعتُقلوا يُحاكمون كمجرمي حرب. وأكبر مثال أطفال ونساء «داعش» في العراق ومناطق الحكم الذاتي في سوريا. ففي النهاية، سيجلس الجميع إلى الطاولة، وأي حلّ سيكون على حساب المرتزقة، بغض النظر عن الإنتصار أو الهزيمة.