إيفون أنور صعيبي

"ضغوط" الضرائب تُفجّر الشارع...و"مخترعيها"

5 دقائق للقراءة
التحركات على الأرض بحاجة إلى كثير من الوعي وقيادة "غير خفيّة" (فضل عيتاني)

عندما تصب أعباء الضريبة على القيمة المضافة على كاهل الطبقة المتوسطة وما دونها، فلا شك أن يكون الشارع نتيجة طبيعية في وجه قرارات الطبقة الحاكمة الاعتباطية. هذه السلطة التي لم تكف عن التعدي على المواطن، اكتفت بفرض ضرائب على «أنفاس الشعب». من يعمل على مشاريع الموازنات فإن همّه الأول والأخير وضْع سقف للعجز الذي لم يعد يُعتبر كافياً في ظل الاوضاع القاتمة، فيلجأ الى «الضرائب» لاعتبارها نقطة إصلاح وحيدة وهنا تكمن المشكلة، ففي العام 2018 ارتفع العجز الى 11% رغم زيادة الضريبة على القيمة المضافة وبعدما التزمت الحكومة في مؤتمر سيدر خفضه الى 8%. مع ذلك لم تقتنع السلطة بأنه في حالة الانكماش الاقتصادي، من شأن الضرائب الإضافية أن تسبّب الكساد وتشلّ النمو وأن تدفع الشعب في النهاية الى الثورة...

إذا أردنا مقاربة ما يحصل انطلاقاً من الأحداث الجارية، لوجدنا ان الوضع معقد، وتفسير ما يحصل ليس سهلاً أبداً. الاعتراضات الشعبية آخذة في التصاعد، اما دور بعض الأحزاب والقوى السياسية فمقتصر على التبرؤ من المعالجات المطروحة بشأن الاوضاع الاقتصادية والاعلان عن معارضتهم الجزئية لأي زيادات ضريبية تطال ذوي الدخل المحدود.

وحتى وزير المالية المفترض انه المسؤول عن إعداد مشروع الموازنة وتبرير الاجراءات و"الاصلاحات" التي ينطوي عليها والدفاع عنها، اكتفى بتحييد نفسه عن تلك الإصلاحات المزعومة.

"يدل ذلك على وجود قوة خفية قادرة على تشكيل تيار جارف يصعب الوقوف في وجهه، نتيجة التفاهمات والتسويات والتحالفات والاتفاقات على تقاسم المنافع والمرافق والتلزيمات والملفات والصناديق السوداء!" يقول الخبير في شؤون المالية العامة والموازنة غسان بيضون، ويضيف "المهم الا يتم تجيير هذا التحرك العفوي وإعادة توجيه زخمه في غير الاتجاه الصحيح، ليصب في نطاق الاصلاح الحقيقي وخير الناس. على المالية العامة أن تلتقط أنفاسها وتخرج من دوامة تفاقم العجز والمديونية، بعد إضاعة كل تلك الفرص التي أدت الى هدر المال العام وهدر تضحيات الناس، وبعد كل تلك الزيادات الضريبية التي لم يتوقف تصاعدها في موازاة الوعود بتحقيق توازن في الموازنات وفائض اولي في تنفيذها يتيح المباشرة بوقف نمو الدين من خلال النمو الاقتصادي الموعود وخطط التنمية واعادة الاعمار اعتباراً من العام 1992".

ويقول بيضون "لقد استمر نهج وسياسة الزيادات والتعديلات الضريبية حتى اليوم ومن دون انقطاع. بعض الزيادات كان ظاهراً لكن غالبيتها كانت مقنّعة. ولا ننسى القانون رقم 45 / 2017 الذي حمل زيادات ضريبية تحمّل اعباءها جميع المواطنين لتغطية السلسلة المشؤومة التي تبين عدم صحة حساباتها. وقبل أن يجف حبر القانون 45 صدر القانون رقم 64 / 2017 ليرفع نسبة الضريبة على القيمة المضافة الى 11%.

وقد اكملت بنفس اتجاه زيادة الضرائب قوانين موازنات 2017 و 2018 و 2019، ومشروع موازنة 2020، الذي أدت محاولة دمجه بالاصلاحات "الواردة" من القوى السياسية الى ما شهدناه من اعتراضات وغضب وثورة !

وبالرغم من أهمية وأحقية المطالب لا بد من الاعتراف بأن التحركات الجارية اليوم على الأرض بحاجة لكثير من الوعي ولقيادة تكون ظاهرة غير خفية".

من جهته يوضح رئيس جمعية الضرائب اللبنانية هشام المكمل في اتصال مع "نداء الوطن" أنه "طالما ان الموازنة التي يقرّها مجلس النواب هي موازنة إنفاقية وغير تنموية فذلك يعني زيادات ضريبية سنوية في غير محلها وبلا جدوى وهي امر غير مقبول. من المرجح ان تحمل موازنة 2020 ان اقرت كما هي انعكاسات سلبية على الاقتصاد وهذا ما اطلق الشرارة الأولى ودفع بالناس الى الشارع. فللأفكار المطروحة في الموازنات لا سيما مشروع موازنة 2020 جوانب سلبية تتمثل بخفض القدرة الشرائية، وعدم تشجيع الاستثمار، وعدم ثبات القوانين والسياسيات الضريبية".

ويتابع: "يُحدد مفهوم الضريبة بالمال الذي تتم جبايته بهدف تحقيق عمل تنموي وتحسين مستوى الخدمات التي يستفيد منها الشعب.العام 2000 كانت الـTVA 10% العام 2017 لامست هذه النسبة 11%. في الواقع لا تعتبر هذه الزيادة كبيرة ولكنها في لبنان لا تعطي المواطنين أي مقابل وهذا الامر غير مقبول.

من هنا يسأل المواطن ما نفع هذه الضرائب وأين تُصرف وعلى ماذا؟ وهذه مشكلة المواطن الفعلية الذي يشعر بالغبن ولم يعد يجد سوى الشارع منفذا له".

ان الزيادات الضريبية التي لحظتها موازنة 2019 والتي قامت الحكومة بتوزيعها على العامين 2020 و2021 والمقنّعة بعبارة "كماليات" قد تشمل سلعاً غير متوقعة لا سيما وان تجربتنا مع أولئك الذين يضعون نصوص الزيادات الضريبية سيئة فقد اعتادوا على مفاجأتنا بمعان مخبأة للنص القانوني. وعندما يبدأ الوزراء بتفسيرها كل على هواه، عندها ستشمل كل السلع حتى تلك التي كانت معفاة بموجب قانون الضريبة على القيمة المضافة الـذي صدر العام 2001. ان أي نقاش حول فرض ضرائب جديدة من دون إظهار ارقام التحصيلات السابقة والتحصيلات المرتقبة وكيفية صرف إيرادات هذه الزيادة، ستجعل زيادة الـ TVA على أساس سنوي امراً محتما اما النتيجة فاستنزاف القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة لتسديد فواتير خدمة الدين العام بلا معالجة فعلية لمكامن الهدر والفساد.