في فيلم الخيال العلمي السويدي القاتم والمشوّق Black Crab (السلطعون الأسود)، يشير العنوان إلى فريق مُكلّف بتنفيذ "مهمة انتحارية" خلال حرب مستقبلية غير بعيدة بهدف إنهاء جميع الحروب أو القضاء على الحضارة بحد ذاتها. الفيلم من إخراج آدم بيرغ، وهو مقتبس من رواية خيالية للكاتب جيركر فيردبورغ. تبدأ الأحداث حين تكون "كارولين إيده" (نومي رابيس) جالسة في سيارة مع ابنتها وعالقة في زحمة سير خانقة داخل نفق. فجأةً، يمتلئ النفق بالجنود وأصوات إطلاق النار، فتختبئ "كارولين" وابنتها الصغيرة في المقعد الخلفي.
بعد مرور بضع سنوات، تصبح "كارولين" جندية لا تكفّ عن التنقل لتلقي الأوامر. لكن لا تكون رحلاتها من الدرجة الأولى بأي شكل، بل تقتصر على عربة في قطار. حين تنزل من العربة، تُكلّمها امرأة وتعرض عليها تناول طبق حساء وتؤكد لها أنه لا يحتوي على السم. ثم يقودها ملازم إلى منطقة معادية ويتركها تائهة هناك. لكنها تحارب للخروج من ذلك المكان وسرعان ما يتبيّن أن ذلك الرجل هو قائد فريق "السلطعون الأسود" الذي تنتمي إليه. ستكون حماسة هذه الشخصية ودوافعها من أهم العوامل التي تُحرك الأحداث في هذا الفيلم.
لتفسير طبيعة المهمة المرتقبة، يتكلم مُجنّد الفريق، الجنرال "راد" (ديفيد دينجيك)، عن وجود أرخبيل مغطى بالجليد في "عصر الذئاب" هذا. وفي نهاية هذه المنطقة سيستلم الفريق، إذا نجح في مهمته، حزمتَين غامضتَين تضمنان تحقيق النصر. (لا يذكر هذا السيناريو القاتم أي دول محددة، وتبقى الأسماء المذكورة خيالية). يواجه الفريق طبعاً عائقاً كبيراً يتمثل بتراجع سماكة الطبقة الجليدية لدرجة ألا تتحمّل عبور المركبات عليها، وتكون الممرات البحرية ضيقة بدرجة مفرطة أيضاً.

لا مفر من الضحك حين يقول مُجنّد الفريق: "يمكن تنفيذ المهمة على يد الجنود عبر الزلاجات الجليدية". في فيلم The Heroes of Telemark (أبطال تيليمارك) للمخرج أنتوني مان في العام 1965، وصل المغامرون الشجعان بقيادة كيرك دوغلاس وريتشارد هاريس إلى الموقع النازي المستهدف على الزلاجات، وكان الفيلم مقتبساً أصلاً من قصة حقيقية ويدخل في خانة الأعمال الكلاسيكية التي تتمحور حول الحروب (كان تأثيره واضحاً أيضاً على فيلم Inception (الاستهلال) للمخرج كريستوفر نولان). ما المانع من استعمال الفكرة نفسها هذه المرة إذاً؟ من الممتع أن نتابع مغامرة هذا الفريق الذي يواجه المصاعب، ويتنقل وسط مساحات سوداء من الجليد، ويتوقف أحياناً للتحديق بعشرات الجثث الغارقة تحت أقدامه (يتطرق الفيلم أيضاً إلى موضوع التغير المناخي).
تذكر "كارولين" في مرحلة مبكرة من القصة أن هذه المهمة تحمل طابعاً انتحارياً بامتياز، لكنها تملك سبباً وجيهاً لتحويلها إلى عملية من نوع آخر، فهي تتمنى أن تجتمع مجدداً مع ابنتها الموجودة على ما يبدو في مخيّم للاجئين بحسب المعلومات التي وصلت إليها. يكون شوقها إلى ابنتها ركيزة للقطات الماضي التي تتزامن مع رحلتها المريعة والمليئة بالخيانة وسط المساحات الجليدية الشاسعة. تنكشف أسرار رهيبة ومألوفة خلال هذه المسيرة. في النهاية، تبقى الحرب تجربة جهنمية على مستويات عدة، لا سيما حين تجد "كارولين" نفسها في مواجهة خيارات أخلاقية لا مفر منها. أصبحت الممثلة نومي رابيس اليوم اسماً بارزاً في عالم الخيال العلمي، وهي تنجح هذه المرة في تجسيد قوة التحمّل التي تتمتع بها شخصيتها (مع أن هذه القوة تعود وتتصدع في نهاية المطاف)، وقد يكون أداؤها في هذا العمل من أنجح ما قدّمته في مسيرتها. إنه أول فيلم سويدي تشارك فيه رابيس منذ عشر سنوات، وكان اختيارها صائباً لأقصى الدرجات.
أخيراً، تبدو المؤثرات المستعملة على مر الفيلم مقنعة جداً، إذ يطغى الظلام على الأجواء العامة. لكن إلى أي حد تتمحور القصة فعلياً حول تجدّد الأمل؟ الفيلم مقنع ومشوّق بما يكفي لتشجيعنا على متابعته حتى النهاية واكتشاف الجواب بأنفسنا.